الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
6356 - كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه - ع طب هق) عن الأسود بن سريع.

التالي السابق


(كل مولود) من بني آدم (يولد على الفطرة) اللام للعهد، والمعهود فطرة الله التي فطر الناس عليها، أي الخلقة التي خلق الناس عليها من الاستعداد لقبول الدين والنهي، لتتجلى بالحق، وقبول الاستعداد، والتأبي عن الباطل، والتمييز بين [ ص: 34 ] الخطأ والصواب (حتى يعرب عنه لسانه) فحينئذ إن ترك بحاله، وخلي وطبعه، ولم يتعرض له من الخارج من يصده عن النظر الصحيح من فساد التربية، وتقليد الأبوين، والألف بالمحسوسات، والانهماك في الشهوات، ونحو ذلك، لينظر فيما نصب من الدلالة الجلية على التوحيد، وصدق الرسول (صلى الله عليه وسلم) وغير ذلك، نظرا صحيحا يوصله إلى الحق وإلى الرشد، عرف الصواب، ولزم ما طبع عليه في الأصل، ولم يختر إلا الملة الحنيفية، وإن لم ينكر بحاله بأن كان أبواه نحو يهوديين أو نصرانيين، (فأبواه) هما اللذان (يهودانه) أي يصيرانه يهوديا بأن يدخلاه في دين اليهودية المحرف المبدل بتفويتهما له، (أو ينصرانه) أي يصيرانه نصرانيا، (أو يمجسانه) أي يدخلانه المجوسية، كذلك بأن يصداه عما ولد عليه، ويزينا له الملة المبدلة، والنحل الزائفة، ولا ينافيه لا تبديل لخلق الله لأن المراد به لا ينبغي أن تبدل تلك الفطرة التي من شأنها أن لا تبدل، أو هو خبر بمعنى النهي، ذكره البيضاوي . وقال الطيبي : الفطرة تدل على نوع من الفطر، وهو الابتداء والاختراع، والمعنى بها هنا تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة بالتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك عليها استمر على لزومها، ولم يفارقها لغيرها، لأن هذا الدين حسنه مركوز في النفوس، وإنما يعدل عنه بآفة من الآفات البشرية والتقليد، والفاء في فأبواه للتعقيب، أو للتسبب، أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه. انتهى. والحاصل أن الإنسان مفطور على التهيؤ للإسلام بالقوة، لكن لا بد من تعلمه بالفعل، فمن قدر الله كونه من أهل السعادة قيض الله له من يعلمه سبيل الهدى، فصار مهذبا بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبب له من يغير فطرته ويثني عزمته، والله سبحانه هو المتصرف في عبيده كيف يشاء فألهمها فجورها وتقواها قال الطيبي : فإن قلت: أمر الغلام الذي قتله الخضر ينقض هذا البيت، لأنه لم يلحق بأبويه، بل خيف إلحاقهما به. قلت: لا ينقض، بل يرفعه ويستبد بثباته، لأن الخضر نظر إلى عالم الغيب وقتل الغلام، وموسى اعتبر عالم الشهادة وظاهر الشرع، فأنكر عليه، ولذلك لما اعتذر الخضر بالخفي أمسك عنه.

(ع طب هق عن الأسود بن سريع) له صحبة، كان شاعر بني منقذ قضى بالبصرة، قال في اللسان: وهذا له أسانيد جياد. انتهى. ومن ثم رمز المصنف لصحته. ورواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ ( كل إنسان تلده أمه على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم)، (كل إنسان تلده أمه يلكز الشيطان في خصيتيه، إلا مريم، وابنها ) ورواه البخاري بلفظ ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء ).




الخدمات العلمية