الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
6314 - كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس - حم م) عن ابن عمر - صح) .

التالي السابق


(كل شيء بقدر) أي: جميع الأمور إنما هي بتقدير الله في الأزل، فالذي قدر لا بد أن يقع، والمراد كل المخلوقات، أي بتقدير محكم، وهو تعلق الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب، (حتى العجز) التقصير فيما يجب فعله، أو من الطاعة، أو أعم، (والكيس) بفتح الكاف أي: النشاط والحذق والظرافة، أو كمال العقل، أو شدة معرفة الأمور، أو تمييز ما فيه الضر من النفع. قال الطيبي : قوبل الكيس بالعجز على المعنى، لأن المقابل الحقيقي للكيس البلادة، وللعجز القوة، وفائدة هذا الأسلوب تقييد كل من اللفظين بما يضاد الآخر، يعني حتى الكيس والقوة والبلادة والعجز من قدر الله، فهو رد على من يثبت القدرة لغيره تعالى مطلقا، ويقول: إن أفعال العباد مستندة إلى قدرة العبد واختياره، ولأن مصدر الفعل الداعية، ومنشؤه القلب، الموصوف بالكياسة والبلادة، ثم القوة والضعف، ومكانهما الأعضاء والجوارح إذا كانوا بقدر الله وقضائه، فأي شيء يخرج عنهما. وقال التوربشتي : الكيس جودة القريحة، وأتى به في مقابل العجز لأنه الخصلة المفضية بصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها، وذلك يقتضي العجز، ولذلك كنوا به عن الغلبة فقالوا: كايسته فكيسته، أي: غلبته. قال: والعجز هنا عدم القدرة، وقيل ترك ما يجب فعله، والعجز والكيس روي بالجر بحتى، أو بعطفه على شيء، وبالرفع على "كل"، أو بأنه مبتدأ حذف خبره، أي كائنان بقدر الله، ورجح الطيبي أن حتى حرف جر بمعنى إلى نحو: حتى مطلع الفجر قال: ومعنى الحديث يقتضي الغاية، لأنه أراد به أن أكساب العباد وأفعالهم كلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الموصل صاحبه إلى البغية والعجز الذي يتأخر به عن دركها. وقال ابن حجر : معناه: أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئته، وإنما جعلهما في الحديث غاية لذلك إشارة إلى أن أفعالنا وإن كانت معلومة لنا مرادة منا فلا تقع بعد ذلك إلا بمشيئة الله إنا كل شيء خلقناه بقدر وقال القونوي : لم يختلف أحد من علماء الإسلام في أن حكم القضاء والقدر شامل كل شيء، منسحب على جميع الموجودات ولوازمها من الأفعال والصفات والأحوال وغير ذلك، فإن قلت: كيف هذا مع حديث الصحيح عن أم حبيبة أن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) سمعها وهي تقول: اللهم متعني بزوجي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبأخي معاوية ، وبأبي، فقال لها: سألت الله بأرزاق مقسومة، وآجال مضروبة، لا يعجل منها شيء قبل محله، ولا يؤخر بعد محله، فلو سألت الله أن يجيرك من عذاب القبر وعذاب النار. انتهى. فما الفرق بين ما نهى عن الدعاء فيه، وبين ما حث عليه من طلب الإجارة من النار والقبر؟ فالجواب: [ ص: 23 ] أن المقدرات ضربان: ضرب يختص بالكليات، وضرب يختص بالجزئيات التفصيلية، فالكلية المختصة بالإنسان، أخبر المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بأنها محصورة في أربعة أمور: العمر، والرزق، والأجل، والشقاء والسعادة، وأما اللوازم الجزئية التفصيلية فإنها لم تكد تنحصر، ولم يمكن تعيين ذكرها، وأيضا فظهور بعضها وحصوله للإنسان يتوقف على أسباب وشروط، ربما كان بالدعاء، والكسب، والسعي، والتعمل من جملتها، بمعنى أنه لم يقدر حصوله بدون ذلك الشرط أو الشروط، بخلاف تلك الأربعة فإنه ليس للإنسان في ذلك قصد، ولا تعمل، ولا سعي، بل ذلك نتيجة قضاء الله وقدره بموجب علمه السابق الثابت المحكم أزلا وأبدا، فهذا فرق بين ما نهى عن الدعاء فيه وبين ما حرض عليه، فتدبر.

(حم م) في الإيمان بالقدر (عن ابن عمر) بن الخطاب .




الخدمات العلمية