الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4950 ص: فذهب قوم إلى أن السارق يقطع في هذا المقدار الذي قدره ابن عمر في ثمن المجن، ، وهو ثلاثة دراهم، ولا يقطع فيما هو أقل من ذلك، واحتجوا في ذلك بما رووه عن ابن عمر.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ، والليث ، ومالكا ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبا ثور; فإنهم قالوا: تقطع يد السارق في ثمن المجن، وهو ثلاثة دراهم، ولا تقطع في أقل من ذلك.

                                                واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر المذكور، وبيان مذاهبهم: ما قاله أبو عمر بن عبد البر: وعلى حديث ابن عمر عول مالك وأهل المدينة وفقهاء الحجاز وجماعة أصحاب الحديث، في من سرق ربع دينار من الذهب أنه يقطع، لكن الشافعي جعل هذا الحديث أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه، فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه، وهو قول إسحاق وأبي ثور وجماعة من التابعين.

                                                وقال الشافعي: ومن سرق فضة وزنها ثلاثة دراهم ليلا فعليه القطع إذا كانت قيمته ربع دينار; لأن الثلاثة دراهم التي قوم بها المجن في حديث ابن عمر، [ ص: 573 ] وقوم بها عثمان إلا تريجة كانت عندهم في ذلك الوقت من صرف اثني عشر درهما بدينار.

                                                وكذلك قال أبو داود: القطع في ربع دينار فصاعدا.

                                                والذي عول عليه مالك وجعله أصلا ترد إليه قيمة العروض المسروقة كلها في هذا الباب هو حديث ابن عمر، فإن كان المسروق ذهبا عينا أو تبرا أو مصوغا أو غير مصوغ لم ينظر فيه إلى قيمة الثلاثة دراهم، وروعي فيه ربع دينار واعتبر ذلك; فإن بلغ ربع دينار وزنا قطعت يد سارقه، وإن كان المسروق فضة اعتبر فيه وزن ثلاثة دراهم كيلا من ورق طيب لا دلسة فيها، وما عدا الذهب والورق فالاعتبار في تقويمه عند مالك وأصحابه الثلاثة دراهم المذكورة دون مراعاة ربع دينار فقف على هذا فافهمه. وبه قال أحمد بن حنبل. انتهى .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى": اختلف الناس في مقدار ما يجب فيه قطع يد السارق، فقالت طائفة: يقطع في كل ما له قيمة، قل أو كثر.

                                                وقالت طائفة: أما في الذهب فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا، وأما في غير الذهب ففي كل ما له قيمة، قلت أو كثرت.

                                                وقالت طائفة: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار، درهم أو ما يساوي درهما.

                                                قلت: هذا روي عن الحسن البصري، وهو قول شاذ.

                                                وقالت طائفة: لا تقطع إلا في درهمين أو ما يساوي درهمين فصاعدا.

                                                وقالت طائفة: لا تقطع إلا في أربعة دراهم أو ما يساويها فصاعدا.

                                                وقالت طائفة: لا يقطع إلا في ثلث دينار أو ما يساويه فصاعدا.

                                                وقالت طائفة: لا يقطع إلا في خمسة دراهم أو ما يساويها فصاعدا.

                                                وقالت طائفة: لا يقطع إلا في دينار ذهب أو ما يساويه فصاعدا.

                                                [ ص: 574 ] وقالت طائفة: لا يقطع إلا في دينار ذهب أو عشرة دراهم أو ما يساوي أحد العددين فصاعدا، فإن لم يساو لا دينارا ولا عشرة دراهم لم يقطع.

                                                وقالت طائفة: لا يقطع إلا في عشرة دراهم مضروبة أو ما يساويها فصاعدا، ولا يقطع في أقل من ذلك. انتهى.

                                                وقال الجصاص في "أحكامه": وقال مالك ، والأوزاعي ، والليث ، والشافعي: لا يقطع إلا في ربع دينار فصاعدا.

                                                قال الشافعي: فلو غلت الدراهم حتى يكون الدرهمان بدينار قطع في ربع دينار، وإن كان ذلك نصف درهم، وإن رخصت الدنانير حتى يكون الدينار بمائة درهم قطع في ربع دينار، وذلك خمسة وعشرون درهما.

                                                وقال أنس بن مالك وعروة والزهري وسليمان بن يسار: لا يقطع في خمسة دراهم، وروي نحوه عن علي وعمر - رضي الله عنه - قالا: لا يقطع إلا في خمسة دراهم. والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية