الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5031 5032 5033 ص: وكان من حجة أبي حنيفة - رضي الله عنه - أيضا في قوله هذا:

                                                ما حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، - رضي الله عنه - قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل، ، فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله -عليه السلام- فقضى أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم.

                                                فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: : يا رسول الله، أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟! ؟ فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله -عليه السلام-: هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجعه".
                                                .

                                                وحدثنا الحسين بن نصر ، قال: ثنا الفريايي، قال: ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيد بن نضلة الخزاعي ، عن المغيرة بن شعبة ، - رضي الله عنه -: "أن امرأتين ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفسطاط فقتلها، فقضى رسول الله -عليه السلام- بالدية على عصبة القاتلة وقضى فيما في بطنها بغرة، ، والغرة: : عبد أو أمة، فقال الأعرابي: أغريم من لا طعم ولا شرب ولا صاح فاستهل، ومثل ذلك يطل، فقال: سجع كسجع الأعراب".

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا عبد الله بن رجاء ، قال: أنا زائدة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيد بن نضلة ، عن المغيرة ، عن النبي -عليه السلام- مثله.

                                                [ ص: 305 ] قالوا: فهذه الآثار تخبر أن النبي -عليه السلام- لم يقتل المرأة القاتلة بالحجر ولا بعمود الفسطاط، ، وعمود الفسطاط يقتل مثله، فدل ذلك على أنه لا قود على من قتل بخشبة وإن كان مثلها يقتل.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من دليل أبي حنيفة ومن معه في قولهم: إن القاتل بعصا أو حجر لا قود عليه: ما روي عن أبي هريرة والمغيرة بن شعبة، ودلالة حديثيهما على ما قالوا ظاهرة لا تحتاج إلى البيان.

                                                أما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه مسلم: نا حرملة بن يحيى التميمي، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس .. إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، نا يونس ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي -عليه السلام- فقضى أن دية جنينها: غرة عبد أو وليدة، وقضى دية المرأة على عاقلتها".

                                                وأخرجه أبو داود: عن قتيبة ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة. ولم يذكر أبا سلمة .

                                                [ ص: 306 ] وأخرجه أيضا عن وهب بن بيان وابن السرح ، عن ابن وهب، قال: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله -عليه السلام- فقضى رسول الله -عليه السلام- دية جنينها: غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله -عليه السلام-: إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع".

                                                وأخرجه النسائي أيضا.

                                                وأخرجه الترمذي: عن قتيبة ، عن ليث ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب وحده.

                                                وقال: وروى يونس هذا الحديث عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة .

                                                وروى مالك ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .

                                                وعن الزهري ، عن سعيد ، عن النبي -عليه السلام-.

                                                وأما حديث المغيرة بن شعبة فأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن حسين بن نصر ، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن إبراهيم النخعي ، عن عبيد بن نضلة الخزاعي الكوفي ، عن المغيرة بن شعبة .

                                                [ ص: 307 ] وأخرجه مسلم والنسائي: كلاهما عن ابن بشار ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيد بن نضلة ، عن المغيرة، نحوه.

                                                الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري ، عن زائدة بن قدامة ، عن منصور بن المعتمر .. إلى آخره.

                                                وأخرجه النسائي: عن علي بن محمد بن علي ، عن خلف بن تميم ، عن زائدة ، عن منصور .... إلى آخره.

                                                وأخرجه مسلم عن إسحاق ، عن جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيد .... إلى آخره.

                                                وعن محمد بن رافع ، عن يحيى بن آدم ، عن مفضل ، عن منصور ، عن إبراهيم .... إلى آخره.

                                                وأخرجه أبو داود: عن حفص ، عن شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم .

                                                وعن عثمان ، عن جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم .

                                                وأخرجه الترمذي: عن الحسن بن علي الخلال ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن منصور .

                                                وعن الحسن ، عن زيد بن حباب ، عن سفيان ، عن منصور، نحوه.

                                                وقال: حسن صحيح.

                                                [ ص: 308 ] وأخرجه ابن ماجه: عن علي بن محمد ، عن وكيع ، عن أبيه، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيد به مختصرا: "قضى بالدية على العاقلة".

                                                قوله: "اقتتلت امرأتان من هذيل" وفي رواية: "أن امرأتين من بني كنانة" وهما واحد; لأن كنانة قبيل من هذيل، وهو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأكثر وادي محلة بالقرب من مكة من هذيل، ولحيان -بكسر اللام وفتحها، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وبعد الألف نون- وهو لحيان بن هذيل بن مدركة .

                                                وكانت المرأتان تحت حمل بن النابغة، والدليل عليه ما جاء في رواية: "إن امرأتين لي" فدل هذا على أنهما زوجتاه.

                                                وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان اسم إحداهما مليكة والأخرى أم غطيف".

                                                قلت: مليكة -بضم الميم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف، وكاف مفتوحة وتاء تأنيث- وهي مليكة بنت عويمر الهذلية. قاله أبو عمر .

                                                وقال أبو موسى: عويمر بغير راء.

                                                وغطيف -بضم الغين المعجمة، وفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء- ويقال: أم عفيف بنت مروج وهي التي ضربت مليكة في سطح بيتها فقتلتها.

                                                قوله: "فقضى أن دية جنينها عبد أو وليدة" الجنين: الولد ما دام في البطن، سمي جنينا; لأنه موارى في بطن أمه، والمجنة الموضع الذي يستتر فيه، ومنه سمي الجن؛ لأنهم متوارون، وجنه الليل وأجنه: ستره، وسمي القبر جنينا؛ لأنه يواري صاحبه، وسمي الترس مجنا؛ لأنه يوارى به، وسمي القلب جنانا؛ لأن الصدر يواريه، وسمي المجنون بذلك؛ لأنه مستور الفهم، وكل شجر متكاثف يستر بعضه بعضا فهو جنة، والإمام جنة؛ لأنه يقي المأموم الزلل والسهو، كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح.

                                                [ ص: 309 ] والوليدة في اللغة: الصبية، وأراد بها هاهنا الجارية وهي الأمة.

                                                قوله: "فقال حمل بن النابغة" وهو حمل بن مالك بن النابغة بن جابر بن ربيعة الهذلي، وهو بفتح الحاء المهملة والميم وفي آخره لام، وقد ينسب إلى جده، وكذا وقع في رواية مسلم، فقال: حمل بن النابغة .

                                                قوله: "ولا استهل" بفتح التاء المثناة، أي: ولا رفع صوته، وكل من رفع صوته فقد استهل، وبه سمي الهلال; لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، يريد أنه لم تعلم حياته بصوت نطق أو بكاء أو نحو ذلك.

                                                قوله: "يطل" بضم الياء آخر الحروف، وفتح الطاء المهملة، من طل دمه إذا أهدر ولم يطلب به، قال: طل دمه، وأطله الله، ولا يقال: طله، وعن الكسائي جوازه، وقال الجوهري: قال أبو زيد: طل دمه، فهو مطلول، قال الشاعر:


                                                دماؤهم ليس لها طالب مطلولة مثل دم العذره



                                                وأطل دمه وطله الله وأطله: أهدره، قال: ولا يقال: طل دمه بالفتح، وأبو عبيدة والكسائي يقولانه، قال أبو عبيدة: فيه ثلاث لغات: طل دمه، وأطل دمه، وأطل عليه أي أشرف.

                                                قال المنذري: أكثر الروايات بالباء الموحدة يعني من البطلان، يقال: بطل الشيء: ذهب.

                                                وكذلك الدم إذا لم يؤخذ به القاتل. ورجح الخطابي الرواية الأولى.

                                                قوله: "هذا من إخوان الكهان" بضم الكاف: جمع كاهن، ويجمع على كهنة أيضا من كهن يكهن كهانة مثل كتب يكتب كتابة، إذا تكهن، وإذا أردت أنه صار كاهنا قلت: كهن بالضم، كهانة -بالفتح- وقيل: الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شهرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين؛ لما بينهم من التناسب، وساعدتهم بما في [ ص: 310 ] وسعها من القدرة، وفرق بعضهم بين الكاهن والعراف بأن الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار.

                                                والعراف الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة، وقد كان في العرب كهنة، منهم من يزعم أن له صاحبا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يدعي أنه يعرف الأمور بمقدمات أسبابها، ومنهم من سمى المنجم كاهنا.

                                                وفي قوله -عليه السلام-: "هذا من إخوان الكهان" دليل على أن الكهان كانوا يسجعون، أو كان الأغلب منهم السجع، وهذا معروف عن كهان الأعراب، يعني عن الاستشهاد عليه.

                                                قوله: "من أجل سجعه" كلمة "من" هاهنا للتعليل، و"السجع": أصله من سجعت الحمامة أي هدرت، وسجعت الناقة: أي مدت حنينها على جهة واحدة، قال الجوهري: السجع: الكلام المقفى، والجمع: أسجاع وأساجيع، وقد سجع الرجل سجعا، وسجع تسجيعا، وكلام مسجع، وبينهم أسجوعة، وعند أهل البديع: السجع: تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، والفاصلة في النثر كالقافية في النظم، والسجع في النثر كالقافية في الشعر، فإن اختلفت الفاصلتان في الوزن سمي سجعا مطرفا، نحو قوله تعالى: ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا وإن لم يختلفا فلا يخلو إما أن يكون ما في إحدى القرينتين كلمة أو أكثر مثل ما يقابله من القرينة الأخرى في الوزن والتقفية، أو لم يكن; فالأول يسمى سجعا مرصعا، نحو قول الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.

                                                والثاني يسمى سجعا متوازنا، نحو قوله تعالى: فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة

                                                [ ص: 311 ] قوله: "على عصبة القاتلة" أي المرأة القاتلة، والعصبة: بنو الرجل وقرابته لأبيه، وسموا عصبة؛ لأنهم عصبوا به، أي أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والعم جانب، والأخ جانب، والجمع العصبات.

                                                قوله: "بغرة" الغرة عند العرب أنفس شيء يملك، وتطلق الغرة على الإنسان ذكرا كان أو أنثى، والغرة هاهنا النسمة من الرقيق ذكرا كان أو أنثى; وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الغرة: عبد أبيض أو أمة بيضاء، وإنما سميت غرة لبياضها، ولا يقبل في الدية عبد أسود أو جارية سوداء، قال: ولولا أن رسول الله -عليه السلام- أراد بالغرة معنى زائدا على شخص العبد والأمة لما ذكرها، وليس ذلك بشرط عند الفقهاء; لعموم الحديث.

                                                وقيل: إطلاق الغرة على العبد والأمة على طريق التوسع والمجاز، فإن الغرة اسم للوجه; لأن الوجه أشرف الأعضاء فسمي الجبار من المماليك غرة; لأنه في المماليك كالوجه في الأعضاء.

                                                قوله: "عبد أو أمة" عطف بيان من الغرة، وحمله غير واحد من العلماء على التفسير لا على الشك; فافهم.

                                                ويستنبط منه أحكام:

                                                الأول: إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا حيا ثم مات بقرب خروجه، وعلم أن موته كان من أجل الضربة ففيه الدية كاملة، وأنه يعتبر فيه الذكر والأنثى، وفي إجماعهم على ما ذكرنا دليل واضح على أن الجنين الذي قضى فيه رسول الله -عليه السلام- بغرة عبد أو أمة، كانت أمه قد ألقته ميتا، وأجمع الفقهاء أن الجنين إذا خرج حيا ثم مات كانت فيه الدية والكفارة.

                                                واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا، فقال مالك: فيه الغرة والكفارة، وقال أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرة ولا كفارة. وهو قول داود بن علي .

                                                وإذا ألقت جنينين، قال أصحابنا: إن كانا ميتين ففي كل منهما غرة، وإن كانا [ ص: 312 ] حيين ثم ماتا ففي كل منهما دية، فإن ألقت أحدهما ميتا والآخر حيا ثم مات، فعليه في الميت الغرة وفي الحي الدية.

                                                فإن ماتت الأم من الضربة وخرج الجنين بعد ذلك حيا ثم مات فعليه ديتان: دية في الأم، ودية في الجنين.

                                                وإن خرج جنينان بالحياة ثم ماتا ففيه ثلاث ديات. وقال الزهري: إن أسقطت ثلاثة ففي كل واحد غرة، تبين خلقه أو لم يتبين أنه حمل، وبه قال ابن وهب والليث بن سعد.

                                                واختلفوا في جنين الأمة، فقال مالك والشافعي وأهل المدينة: جنين الأمة إن وقع ميتا من ضرب الضارب لأمه، ففيه عشر قيمة أمه، ذكرا كان الجنين أو أنثى.

                                                وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: إن كان غلاما ففيه نصف عشر قيمة نفسه لا قيمة أمه، وإن كان أنثى فعشر قيمة نفسها لو كانت حية.

                                                وقال داود: لا شيء في جنين الأمة.

                                                وقال ابن حزم: لا خلاف في أن جنين الأمة من سيدها الحر مثل جنين الحرة ولا فرق.

                                                ثم اختلفوا في جنين الأمة من غير سيدها الحر.

                                                فقالت طائفة: فيه عشر قيمة أمه، وبه قال الحسن البصري ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحابهم.

                                                وقالت طائفة: من ثمن أمه كقدر ما في جنين الحرة من دية أمه، وهو قول الزهري .

                                                وقالت طائفة: فيه نصف عشر ثمن أمه، وهو قول إبراهيم النخعي وقتادة وابن أبي ليلى والحجاج بن أرطاة .

                                                وقالت طائفة: فيه نصف عشر ثمنه إن خرج ميتا، فإن خرج حيا فثمنه كله. وهو قول سفيان الثوري والحسن بن حي .

                                                [ ص: 313 ] وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل: إن كان جنين الأمة ذكرا ففيه نصف عشر قيمته لو كان حيا، فإن كانت أنثى ففيها عشر قيمتها لو كانت حية. قال زفر: وعليه مع ذلك نقص أمه. وقال أبو يوسف: لا شيء في جنين الأمة إلا أن يكون نقص أمه، ففيه ما نقصها.

                                                وقالت طائفة: فيه عشرة دنانير. وهو قول سعيد بن المسيب .

                                                وقالت طائفة: حكومة. وهو قول حماد بن أبي سليمان، فإنه قال: ينظر ما بلغ ثمن جنين الحرة من جميع ثمنها، فإن كانت عشرا أعطيت الأمة عشرة، وإن كانت خمسا وإن كان سبعا وإن كان ثمانيا فكذلك.

                                                وقالت طائفة: في جنين الأمة غرة عبد أو أمة كما في جنين الحرة ولا فرق. وهو قول ابن سيرين وعروة ومجاهد وطاوس وشريح والشعبي. انتهى.

                                                واختلفوا في صفة الجنين الذي تجب فيه الغرة ما هو؟

                                                فقال مالك: ما طرحته من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد ففيه الغرة. قاله أبو عمر .

                                                وقال ابن حزم: إن قتلت حامل بينة الحمل فسواء طرحت جنينها ميتا أو لم تطرحه فيه غرة، ولابد لما ذكرنا من أنه جنين أهلك، وهذا قد اختلف الناس فيه كما ثنا حمام، ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، ثنا عبد الله بن يونس، ثنا بقي بن مخلد، نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري أنه كان يقول: "إذا قتلت المرأة وهي حامل قال: ليس في جنينها شيء حتى تقذفه" وبه قال مالك .

                                                وقال أبو عمر: قال الشافعي: لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء. وقال مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة أبدا حتى يستهل صارخا فيه الدية كاملة. وقال الشافعي وسائر الفقهاء: إذا علمت حياته بحركة أو [ ص: 314 ] بعطاس أو باستهلال أو بغير ذلك مما يستيقن به حياته، ثم مات ففيه الدية، وجماعة فقهاء الأمصار يقولون في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها; أنه لا يحكم فيه شيء فإنه هدر إلا الليث بن سعد وداود فإنهما قالا: فيه الغرة، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها، المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير.

                                                ومما يلحق بهذا الباب إسقاط المرأة ولدها، فعن إبراهيم النخعي: إذا أسقطت ولدها فعليها عتق رقبة ولزوجها عليها غرة عبد أو أمة.

                                                وقال ابن حزم: إن كان لم ينفخ فيه الروح فالغرة عليها، وإن كانت قد نفخ فيه الروح فإن كانت لم تعمد قتله فالغرة أيضا على عاقلتها والكفارة عليها، وإن كانت عمدت قتله فالقود عليها أو المفاداة في مالها، فإن ماتت هي في كل ذلك قبل إلقاء الجنين ثم ألقته فالغرة واجبة في كل ذلك في الخطأ على عاقلة الجاني هي كانت أو غيرها، وكذلك في العمد قبل أن ينفخ فيه الروح، وأما إن كان قد نفخ فيه الروح فالقود على الجاني إن كان غيرها، وأما إن كانت هي فلا قود ولا غرة ولا شيء; لأنه لا حكم على ميت، وماله قد صار لغيره. انتهى.

                                                واختلف في الغرة وقيمتها، فقال مالك: تقوم الغرة بخمسين دينارا أو ستمائة درهم نصف عشر دية الحر المسلم الذكر، وعشر دية أمه الحرة.

                                                وهو قول الزهري وربيعة وسائر أهل المدينة.

                                                وقال أبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين: قيمة الغرة خمسمائة درهم. وبه قال إبراهيم والشعبي. وقال مغيرة: خمسون دينارا. وقال الشافعي: سن الغرة سبع سنين أو ثمان سنين، وليس عليه أن يقبلها معيبة. وقال داود: كل ما وقع عليه اسم غرة.

                                                واختلفوا أيضا فيمن يرث الغرة، فقال مالك والشافعي وأصحابهما: الغرة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله؛ لأنها دية.

                                                [ ص: 315 ] وقال أبو حنيفة وأصحابه: الغرة للأم ليس لأحد معها فيها شيء وليست دية، وبه قال داود وأهل الظاهر.

                                                وقال ابن حزم: اختلف الناس فيمن تجب له الغرة الواجبة في الجنين، فعن الزهري: أنه سئل في رجل ضرب امرأته فأسقطت، لمن دية السقط؟ قال: بلغنا في السنة أن القاتل لا يرث من الدية شيئا، فديته على فرائض الله ليس للذي قتله من ذلك شيء.

                                                وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وأبي حنيفة ومالك والشافعي .

                                                وقال الكاساني في "بدائعه": الغرة ميراث بين ورثة الجنين على فرائض الله عند عامة العلماء.

                                                وقال مالك: إنها لا تورث وهي للأم خاصة.

                                                قلت: هذا هو مذهب أبي حنيفة، والذي نقله أبو عمر عن أبي حنيفة ليس مذهبه. والله أعلم.

                                                الثاني: أن في الحديث ما يدل على أن الغرة تجب على العاقلة، وهو مذهب الشافعي أيضا. وقال مالك وأصحابه والحسن بن حي: هي في مال الجاني.

                                                والحديث حجة عليهم.

                                                الثالث: فيه حجة لأبي حنيفة ومن معه لما ذهبوا إليه من أن القاتل بالعصا لا يجب عليه القصاص، ألا ترى أن إحدى المرأتين قتلت الأخرى بعمود الفسطاط ولم يقض رسول الله -عليه السلام- عليها بالقصاص، بل قضى بديتها على عاقلة القاتلة.

                                                الرابع: فيه أن الدية في شبه العمد على العاقلة، أما وجوب الدية فلامتناع القصاص للشبهة فتجب الدية، وأما الوجوب على العاقلة فلأن العاقلة إنما تعقل الخطأ تخفيفا على القاتل; نظرا له لوقوعه فيه لا عن قصد، وكذلك في شبه العمد، شبه عدم القصد؛ لحصوله بآلة لا يقصد بها القتل عادة كان مستحقا لهذا النوع من التخفيف. والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية