الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4995 ص: قيل لهم: ما في هذا دليل على ما ذكرتم، وقد يحتمل ذلك وجوها:

                                                أحدها: ما وصفتم.

                                                ويحتمل أيضا: فمن عفي له من أخيه شيء على الجهة التي قلنا برضا القاتل أن يعتفى عنه على مال يؤخذ منه.

                                                وقد يحتمل أيضا أن يكون ذلك في الدم الذي يكون بين جماعة، فيعفو أحدهم، فيتبع الباقون القاتل بحصصهم من الدية بالمعروف، ويؤدي ذلك إليهم بإحسان.

                                                هذه تأويلات قد تأولت العلماء هذه الآية عليها، فلا حجة فيها لبعض على بعض إلا بدليل آخر في آية أخرى متفق على تأويلها، أو سنة، أو إجماع.

                                                وفي حديث أبي شريح ، عن النبي -عليه السلام-: "فهو بالخيار بين أن يعفو أو يقتص أو يأخذ ...." الحديث، فجعل عفوه غير أخذه الدية، فثبت بذلك أنه إذا عفى فلا دية له، وإذا كان لا دية له إذا عفى عن الدم، ثبت بذلك أن الذي كان وجب له هو الدم، وأن أخذه الدية التي أبيحت له هو بمعنى أخذها بدلا من القتل، والإبدال من الأشياء لم نجدها تجب إلا برضى من تجب [ ص: 228 ] عليه ورضى من تجب له، فإذا ثبت ذلك في القتل ثبت ما ذكرنا، وانتفى ما قال المخالف لنا.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا جواب عن استدلال أهل المقالة الأولى المذكور، حاصله: أن قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء الآية يحتمل وجوها:

                                                الأول: ما ذكره هؤلاء.

                                                الثاني: يحتمل أن يكون معناه: فعفى عنه على مال يرضاه يؤخذ منه.

                                                الثالث: يحتمل أن يكون ذلك في الدم بين جماعة، إذا عفى بعضهم تحول نصيب الآخرين مالا، وقد روي عن علي وعمر وعبد الله - رضي الله عنهم - ذلك; لأنه قال: فمن عفي له من أخيه شيء وهذا يقتضي وقوع العفو عن شيء من الدم، لا عن جميعه، فيتحول نصيب الشركاء مالا، وعليهم اتباع القاتل بالمعروف، وعليه أداؤه بإحسان.

                                                فهذه تأويلات قد تأولوا هذه الآية عليها، فلا حجة فيها لبعض على بعض إلا بدليل آخر.

                                                قلت: إذا سقط تأويل أهل المقالة الأولى، يتعين الباقي للعمل، ولا شك أن تأويلهم ساقط.

                                                بيان ذلك: أن ظاهر الآية يدفعه ويرده; لأن العفو لا يكون مع أخذ الدية; لأن النبي -عليه السلام- قال: "العمد قود إلا أن يعفو الأولياء" فأثبت له أحد الشيئين: قتل أو عفو، ولم يثبت له مالا.

                                                فإن قلت: إذا عفى عن الدم بأخذ المال كان عافيا، ويتناوله لفظ الآية.

                                                قلت: إن كان الواجب أحد الشيئين فجائز أيضا أن يكون عافيا بترك المال، وأخذ القود، فعلى هذا لا يخلو الولي من عفو قتل، أو أخذ المال، وهذا فاسد لا يطلقه أحد. ومن جهة أخرى ينفيه ظاهر الآية، وهو أنه إن كان الولي هو العافي [ ص: 229 ] بترك القود وأخذ المال; فإنه لا يقال له: عفي له، وإنما يقال له: عفي عنه فتقام "اللام" مقام "عن" أو بحمله على أنه عفي له عن الدم، فينضم حرف غير مذكور، ونحن متى استغنينا بالمذكور عن المحذوف لم يجز لنا إثبات الحذف.

                                                وهاهنا وجه آخر يرد تأويلهم: وهو أن قوله: من أخيه شيء كلمة "من" تقتضي التبعيض; لأن ذلك حقيقتها وبابها، إلا أن تقوم الدلالة على غيره، فيوجب هذا أن يكون العفو عن بعض دم أخيه، وعندهم هو عفو عن جميع الدم وتركه إلى الدية، وفيه إسقاط حكم "من" ومن وجه آخر وهو قوله: شيء وهذا أيضا يوجب العفو عن شيء من الدم لا عن جميعه، فمن حمله على الجميع لم يوف الكلام حظه من مقتضاه وموجبه; لأنه يجعله بمنزلة ما لو قال: فمن عفي له عن الدم وطولب بالدية فأسقط حكم قوله: "من" وقوله: "شيء" ولا يجوز لأحد تأويل الآية على وجه يؤدي إلى إلغاء شيء من لفظها ما أمكن استعماله على حقيقته، ومتى استعمل على ما ذكره أهل المقالة الثانية كان موافقا لظاهر الآية.

                                                وأيضا فتأويلهم أشد ملاءمة لرواية ابن عباس بنسخ ما كان على بني إسرائيل من إيجاب حكم القود ومنع أخذ البدل، فأبيح لنا بالآية أخذ قليل المال وكثيره، ويكون الولي مندوبا إلى القبول -إذا سهل له القاتل بإعطائه المال- وموعودا عليه بالثواب، ويكون السبب الذي نزلت عليه الآية حصول الفضل من بعض على بعض في الديات وأمروا فيه بالاتباع بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليهم بإحسان.

                                                فإن قيل: ما تأوله أهل المقالة الأولى في إيجاب الدية للولي باختياره من غير رضا القاتل تحتمله الآية، فوجب أن يكون مرادا; إذ ليس فيه نفي لتأويلات غيرهم، ويكون قوله: فمن عفي له معناه ترك لهم، من قوله: عفت [ ص: 230 ] المنازل إذا تركت حتى درست، والعفو عن الذنوب ترك العقوبة عليها، فيفيد ذلك ترك القود إلى الدية.

                                                قلت: إن كان ذلك كذلك فينبغي أن يكون لو ترك الدية وأخذ القود أن يكون عافيا; لأنه تارك لأخذ الدية وقد سمي ترك المال وإسقاطه: عفوا، قال الله تعالى: فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فأطلق اسم العفو على الإبراء من المال، ومعلوم عند الجميع امتناع إطلاق العفو على من آثر أخذ القود وترك أخذ الدية، فكذلك العادل عن القود إلى أخذ الدية لا يستحق اسم العافي؛ إذ كان إنما اختار أحد شيئين كان مخيرا في اختيار أيهما شاء; لأن من كان مخيرا بين أحد شيئين فاختار أحدهما، كان الذي اختاره هو حقه الواجب له، قد تعين عليه حكمه عند فعله كأنه لم يكن غيره، ألا ترى أن من اختار التكفير بالعتق في كفارة اليمين كان العتق هو كفارته؟ كأنه لم يكن غيره، وسقط عنه حكم ما عداه أن يكون من فرضه؟ كذلك هذا الولي لو كان مخيرا في أحد شيئين من قود أو مال، ثم اختار أحدهما، لم يستحق اسم العافي لتركه أحدهما إلى الآخر، فلما كان اسم العافي منتفيا عمن ذكرنا حاله لم يجز تأويل الآية عليه. والله أعلم.

                                                قوله: "وفي حديث أبي شريح ...." إلى آخره إشارة إلى أن استدلال أهل المقالة الأولى به أيضا غير صحيح; لأن المذكور فيه: "فهو بالخيار بين أن يعفو أو يقتص أو يأخذ الدية" فجعل الشارع عفوه غير أخذه الدية، فظهر من ذلك أنه إذا عفى لا تكون له دية، وإذا لم تكن له دية بعفوه عن الدم، يثبت بذلك أن الذي كان قد وجب له هو الدم، وأن أخذه الدية التي أباحها الله لهذه الأمة رحمة وتخفيفا هو الذي يأخذها بدلا عن ذلك الدم، وأخذ البدل من الشيء لم نجده يجب إلا برضا من يجب عليه، ورضا من يجب له يعني بالتراضي من الجانبين، وذلك كمتلف المال الذي له مثل لا يعدل عنه إلى غيره إلا بالتراضي؛ لقوله [ ص: 231 ] تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقد طعن بعضهم في هذا الكلام، وقال: يرد عليكم ما قلتم فيمن كسر قلب فضة لغيره، فصاحب القلب مخير بين أخذ قلبه المكسور كما هو ولا شيء له، وإن شاء ضمنه قيمته مصوغا غير مكسور من الذهب، أحب الكاسر أم أبى، وما قلتم فيمن غصب ثوبا لآخر فقطعه قطعا يستهلكه به كخرق أو خرق في بعضه، فإن صاحب الثوب مخير بين أن يأخذ ثوبه وقيمة نقصانه، وإن شاء أعطاه للغاصب وألزمه قيمته صحيحا، فهذه أبدال أوجبتموها بغير رضا الذي ألزمتموها إياه، ولا طيب نفسه.

                                                قلت: لا نسلم أن هذه أبدال أوجبناها بغير التراضي; لأن المأخوذ في المسألة الأولى هو القلب مصوغا غير مكسور من الذهب، وهي مثله في الشرع، قال الله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والمثل ينقسم إلى وجهين:

                                                أحدهما: مثله في صفته، وذلك في المكيل والموزون والمعدود.

                                                والآخر: مثله في قيمته; لأنه -عليه السلام-: "قضى في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو موسر، أن عليه ضمان نصف قيمته" فجعل المثل اللازم بالاعتداء هو القيمة، فصار أصلا في هذا الباب، وفي أن المثل قد يقع على القيمة ويكون اسما لها، ويدل على أن المثل قد يكون اسما لما ليس هو في صفته إذا كان وزانه وعروضه في القدر المستحق من الجزاء أن من اعتدى على غيره بقذف لم يكن المثل المستحق عليه أن يقذف بمثل قذفه; بل يكون المثل المستحق عليه هو جلد ثمانين، فإذا كان كذلك فالمأخوذ هاهنا هو المثل بمقتضى النص لا البدل عنه، والبدل عنه هو أن يأخذ شيئا آخر غير القيمة المذكورة، فإذا أراد أن يأخذ شيئا آخر، ليس له ذلك إلا برضى المأخوذ منه، ورضا الآخذ، وكذلك المأخوذ في [ ص: 232 ] المسألة الثانية هو مثل الثوب وهو القيمة، وإذا أراد أن يأخذ شيئا آخر غير القيمة ليس له ذلك إلا بالتراضي. فافهم.

                                                قوله: "ثبت بذلك أن الذي كان وجب له هو الدم" أي ثبت بما ذكرنا أن الواجب للولي هو القود وأن المال بدل منه، وقد تكلموا فيه أن الواجب للولي بنفس القتل هو القود والدية جميعا، أو القود دون الدية، أو إحداهما على وجه التخيير، فلا يجوز أن يكون حقه الأمرين جميعا بالاتفاق، ولا أن يكون أحدهما على حسب ما يختاره الولي كما في كفارة اليمين ونحوها، وذلك لأن الذي أوجبه الله تعالى في الآية هو القصاص، وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص ونفي لإيجاب القصاص، ومثله عندنا يوجب النسخ، فإذا الواجب هو القود لا غير، فلا يجوز له أخذ المال إلا برضى القاتل.

                                                فإن قلت: سلمنا أن الواجب هو القصاص ولهما جميعا نقله إلى المال بالتراضي؛ إذ ليس في ذلك إسقاط لوجب حكم الآية من القصاص.

                                                قلت: القصاص حق للولي على القاتل من غير إثبات تخيير بين القود وغيره، وتراضيهما على نقله إلى المال لا يخرجه من أن يكون هو الواجب دون غيره; لأن ما تعلق حكمه بتراضيهما لا يؤثر في الأصل الذي كان واجبا من غير خيار، ألا ترى أن الرجل يملك طلاق امرأته ويملك الخلع وأخذ البدل عن الطلاق، وليس في ذلك إثبات ملك الطلاق له ندبا، على أنه مخير في نقله إلى المال من غير رضى المرأة، وأنه لو كان له أن يطلق ويأخذ المال ندبا من غير رضاها لكان ذلك موجبا كونه مالكا أحد شيئين من طلاق أو مال.




                                                الخدمات العلمية