الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4708 4710 4711 ص: حدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي -عليه السلام- قال: " يودى المكاتب بحصة ما أدى دية حر ، وما بقي دية عبد".

                                                حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد ، عن يونس ، عن عكرمة ، عن النبي -عليه السلام- مثله، ولم يذكر ابن عباس .

                                                حدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: " قضى رسول الله -عليه السلام- في مكاتب قتل بدية الحر بقدر ما عتق منه". .

                                                قال ابن عباس: "ويقام على المكاتب حد المملوك".

                                                حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا الحجاج الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -عليه السلام-: " يودى المكاتب بقدر ما أدى دية الحر وبقدر ما رق منه دية العبد".

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه أربع طرق صحاح غير أن الثاني مرسل.

                                                [ ص: 113 ] فكالأول: أخرجه الترمذي: نا هارون بن عبد الله البزاز، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي -عليه السلام- قال: "إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه". وقال النبي -عليه السلام-: "يودى المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد".

                                                وقال: حديث حسن.

                                                وكالثاني: أخرجه أبو داود معلقا وقال: وأرسله حماد بن زيد ، وإسماعيل ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن النبي -عليه السلام-.

                                                وكالثالث: أخرجه النسائي: أنا القاسم بن زكرياء بن دينار، نا سعيد بن عمرو، ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عكرمة .

                                                وعن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: "أن مكاتبا قتل على عهد رسول الله، فأمر أن يودى بما أدى دية الحر، وما لا دية المملوك".

                                                وكالرابع: أخرجه أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يعلى بن عبيد، ثنا الحجاج الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: "قضى رسول الله -عليه السلام- في المكاتب يقتل: يودى ما أدى من مكاتبته دية الحر، وما بقي دية المملوك".

                                                وأخرج الحاكم هذا الحديث من وجهين، وقال فيهما: صحيح على شرط البخاري .

                                                [ ص: 114 ] ثم رواه من وجه ثالث، وقال: صحيح الإسناد.

                                                فإن قيل: لما أخرج البيهقي هذا الحديث في "سننه" وبين الاختلاف فيه قال: هذا المذهب إنما يروى عن علي - رضي الله عنه - وفي ثبوته عن النبي -عليه السلام- نظر.

                                                قلت: رواه جماعة مرفوعا وهو زيادة فلا تضرهم رواية من وقف، ولهذا حسنه الترمذي وصححه الحاكم، وقال ابن حزم: خبر علي وابن عباس -رضي الله عنهم- في غاية الصحة، وليت شعري من أين وقع أن العدل إذا أسند الخبر وأوقفه آخر -أو أرسله- أن ذلك علة في الحديث، هذا لا يوجبه نص ولا نظر ولا معقول.

                                                قوله: "يودى المكاتب" على صيغة المجهول من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته، وأصل دية ودية، كعدة أصلها وعد، حذفت الواو منهما تبعا للفعل المضارع، وعوضت عنها الهاء، والأمر من هذا: د، ديا، دوا، كق قيا قوا، أصله: أود، كما أن أصل ق: أوق حذفت الواو تبعا للفعل، فصار "أد" فاستغني عن الهمزة، فطرحت، فبقي "د" على وزن "ع" لأن المحذوف "فاء" الفعل و"لامه" أما الفاء فلما ذكرنا، وأما اللام فلأن آخر الأمر مجزوم، والجزم في النواقص بحذف اللام، فافهم.

                                                قوله: "بحصة ما أدى" أي بقدر حصة ما أدى من مال الكتابة.

                                                قوله: "دية الحر" بنصب الدية على الإطلاق.

                                                [ ص: 115 ] قوله: "وما بقي دية عبد" أي يودى المكاتب بحصة ما بقي من مال الكتابة دية عبد".

                                                قوله: "في مكاتب قتل" على صيغة المجهول.

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: احتجت به طائفة على أن المكاتب يعتق بقدر ما أدى، على ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.

                                                الثاني: احتجت به طائفة على أن المكاتب إذا جنى عليه أحد، فإنه يؤاخذ بحكم الحرية لما عتق منه بمقدار ما أدى وبحكم الرقية فيما بقي منه من الرقية، وإليه ذهبت الظاهرية.

                                                وقال ابن حزم في "المحلى": المكاتب عبد ما لم يؤد شيئا، فإذا أدى من كتابته شيئا شرع فيه العتق والحرية بقدر ما أدى، وبقي سائره مملوكا، وكان لما أعتق منه حكم الحرية في الحد والمواريث و[الديات وغير ذلك، وكان لما بقي منه حكم العبيد في الديات والمواريث] وغير ذلك وهكذا أبدا حتى يتم عتقه بتمام أدائه.

                                                ثم استدل على هذا بالحديث المذكور.

                                                وقالت طائفة: المكاتب حر ساعة العقد بالكتابة.

                                                قال ابن حزم: روي هذا عن ابن عباس ولم نجد له إسنادا إليه.

                                                قلت: فعلى هذا القول إذا جني عليه يؤاخذ الجاني بحكم الحرية مطلقا.

                                                وقالت طائفة: إذا أدى نصف كتابته فهو غريم، وهو قول شريح، وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نحوه.

                                                [ ص: 116 ] وقالت طائفة: إذا أدى الثلث فهو غريم، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود .

                                                وقالت طائفة: إذا أدى الربع فهو غريم، روي ذلك عن إبراهيم النخعي .

                                                وقالت طائفة: إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريم، روي ذلك عن عطاء بن أبي رباح، رواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج عنه.

                                                وقالت طائفة: إذا أدى ثمنه فهو غريم، روي ذلك عن قتادة عن الحسن ، عن ابن مسعود، ورواه شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم النخعي .

                                                وقالت طائفة: إذا بقي عليه خمس أواق -أو خمس ذود أو خمسة أوسق- فهو غريم، روي ذلك عن ابن عباس .

                                                وقال أصحابنا الحنفية: إذا جنى على المكاتب أحد، فإن كان خطأ فالأرش له والأرش أرش العبد.

                                                وإذا كان عمدا فالمسألة على ثلاثة أوجه:

                                                * في وجه يجب القصاص في قولهم.

                                                * في وجه لا يجب في قولهم.

                                                * وفي وجه اختلفوا فيه.

                                                أما الأول: فهو أن يقتله رجل عمدا ولم يترك وفاء، فللمولى أن يقتل القاتل; لأنه إذا لم يترك وفاء فقد مات عاجزا، فمات عبدا، والعبد إذا قتل عمدا يجب القصاص على قاتله إن كان عبدا بالإجماع، وإن كان حرا عندنا كذلك هنا.

                                                وأما الثاني: فهو أن يقتل عمدا ويترك وفاء، ويترك ورثة أحرارا سوى المولى فلا يجب القصاص لاستيفاء ولي القصاص؛ لاختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- أنه يموت حرا أو عبدا.

                                                وأما الوجه الثالث: فهو أن يقتل عمدا ويترك الوفاء، ولا وارث له سوى المولى.

                                                [ ص: 117 ] فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجب القصاص للمولى; لأنه لا استيفاء هاهنا.

                                                وقال محمد: لا يجب.

                                                الثالث: أن المكاتب يقام عليه حد المملوك; لقول ابن عباس: "ويقام على المكاتب حد المملوك".

                                                قال أصحابنا: يؤخذ المكاتب بأسباب الحدود الخالصة وغيرها نحو الزنا والسرقة والشرب والسكر والقذف; لا القن; لأن القن يؤخذ بها، فالمكاتب أولى، ولا يقطع في سرقته من مولاه; لأنه عبده، وكذا لا يقطع في سرقة من آل مولاه ولا من امرأة مولاه، ولا من كل ذي رحم محرم من مولاه، ولو سرق منه أجنبي يقطع بخصومته; لأن المكاتب أحق بمكاسبه ومنافعه فكانت له الخصومة كالحر، فيقطع بخصومته.




                                                الخدمات العلمية