الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4994 4995 ص: فإن قال قائل: فما حاجتهم إلى ذكر هذا؟

                                                قيل له: لما قد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

                                                حدثنا يونس ، قال: سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، عن ابن عباس، قال: "كان القصاص في بني إسرائيل ، ولم يكن فيهم دية. فقال الله -عز وجل- لهذه الأمة: كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر إلى قوله: فمن عفي له من أخيه شيء والعفو في أن يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كان كتب على من كان قبلكم".

                                                فأخبر ابن عباس: -رضي الله عنهما- أن بني إسرائيل لم يكن فيهم دية، أي: إن ذلك كان حراما عليهم أن يأخذوه أو يتعرضوا بالدم بدلا أو يتركوه حتى يسفكوه ، وأن ذلك مما كان كتب عليهم، فخفف الله تعالى عن هذه الأمة ونسخ ذلك الحكم بقوله: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان إذا وجب الأداء.

                                                وسنبين ما قيل في ذلك في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى. فبين لهم رسول الله -عليه السلام- أيضا على هذه الجهة فقال: "من قتل له ولي فهو بالخيار بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ الدية" التي أبيحت لهذه الأمة، وجعل لهم أخذها إذا [ ص: 224 ] أعطوها. هذا وجه يحتمله هذا الحديث. وليس لأحد إذا كان حديث مثل هذا يحتمل وجهين متكافئين أن يعطفه على أحدهما دون الآخر إلا بدليل من غيره يدل أن معناه ما عطفه عليه.

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال: إذا كان ولي المقتول ليس له أن يأخذ الدية إلا برضا، فما كانت حاجتهم إلى ذكره -عليه السلام- بقوله: "أو يأخذ الدية".

                                                وتقرير الجواب أن يقال: إن أخذ الدية من القاتل كان حراما على بني إسرائيل، ولم يكن لهم إلا سفك الدم، وهو القصاص، فخفف الله تعالى على هذه الأمة فأنزل قوله: فمن عفي له من أخيه الآية، وأطلق لهم أخذ الدية، ونسخ ذلك الحكم تخفيفا ورحمة، ثم بين لهم رسول الله -عليه السلام- على هذه الجهة فقال: "من قتل له قتيل فوليه بالخيار; إن شاء اقتص، وإن شاء عفى، وإن شاء أخذ الدية التي أبيحت لهم، وجعل لهم أخذها إذا أعطوها" فأخبر ابن عباس أن الآية كانت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من حظر قبول الدية، وأباح للولي قبولها إذا بذلها القاتل تخفيفا من الله علينا ورحمة بنا، فلو كان الأمر على ما ادعاه أهل المقالة الأولى من إيجاب التخيير لما قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية; لأن القبول لا يطلق إلا فيما بذل له من غيره، ولو لم يكن أراد بذلك لقال: إذا اختار الولي; فثبت بذلك أن المعنى عنده جواز تراضيهما على أخذ الدية.

                                                ثم إسناد حديث ابن عباس صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة .

                                                وأخرجه البخاري: ثنا قتيبة بن سعيد: نا سفيان ، عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله [ ص: 225 ] لهذه الأمة: كتب عليكم القصاص في القتلى إلى هذه الآية فمن عفي له من أخيه شيء قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد، قال: فاتباع بالمعروف أي: يطلب بمعروف ويؤدي بإحسان.

                                                قوله: "فالعفو أن يقبل الدية في العمد" قد فسر ابن عباس العفو بقبول الدية في العمد. وهذا ينافي أخذ الدية من غير رضى القاتل كما ذكرنا، وقد ذكر بعضهم أن العفو له في اللغة خمس موارد:

                                                الأول: العطاء، يقال: جاد بالمال عفوا صفوا، أي مبذولا من غير عوض.

                                                الثاني: الإسقاط ونحوه، فاعف عنا، وعفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.

                                                الثالث: الكثرة، ومنه قوله تعالى: حتى عفوا أي كثروا، ويقال: عفى الزرع أي: طاب.

                                                الرابع: الذهاب، ومنه قوله: عفت الديار.

                                                الخامس: الطلب يقال: عفوته واعتفيته، ومنه قوله: ما أكلت العافية فهو صدقة، ومنه قول الشاعر:


                                                يطوف العفاة بأبوابه



                                                وإذا كان مشتركا بين هذه المعاني المتعددة وجب عرضها على مساق الآية ومقتضى الأدلة، فالذي يليق بذلك منها العطاء والإسقاط، فرجح الشافعي الإسقاط; لأنه ذكر قبله القصاص، وإذا ذكر العفو بعد العقوبة كان في الإسقاط أظهر.

                                                ورجح مالك وأصحابه العطاء; لأن العفو إذا كان بمعنى الإسقاط وصل بكلمة "عن" كقوله: واعف عنا وكقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل" وإذا كان بمعنى العطاء كانت صلة "له" فيرجح ذلك بهذا.

                                                [ ص: 226 ] وبوجه ثان وهو: أن تأويل مالك هو اختيار حبر القرآن ومن تابعه.

                                                وبوجه ثالث وهو: أن الظاهر في الجزاء هو أن يعود على من يعود عليه الشرط، والجزاء عائد إلى الولي، فليعد إليه الشرط، ويكون المراد بـ"من": من كان المراد بالأمر بالاتباع.

                                                الرابع: أنه قال "شيء" منكر، ولو كان المراد القصاص لنكره; لأنه معرف، وإنما يتحقق التنكير في جانب الدية وما دونه.

                                                وقال ابن العربي في قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع إلى آخره: هذا قول مشكل تبلدت فيه ألباب العلماء، واختلفوا في مقتضاه.

                                                فقال مالك -في رواية ابن القاسم: يوجب العمد القود خاصة، ولا سبيل إلى الدية إلا برضا من القاتل، وبه قال أبو حنيفة، وروى أشهب عنه أن الولي مخير بين أحد أمرين: إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدية، وبه قال الشافعي .

                                                وكاختلافهم اختلف من مضى من السلف قبلهم. وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "العفو": أن يقبل الدية في العمد فيتبع بمعروف ويؤدي إليه بإحسان، يعني يحسن في الطلب من غير تضييق ولا عنف، ويحسن في الأداء من غير مطل ولا تسويف، ونحوه عن قتادة ومجاهد وعطاء والسدي، ثم قال ابن العربي: هذا يدور على حرف، وهو معرفة تفسير العفو، وقد ذكرنا الآن ما قالوا في تفسيره، ويظهر من ذلك الصحيح من الفاسد مما قاله العلماء في هذا الباب.

                                                قوله: "وجهين متكافئين" أي متماثلين.




                                                الخدمات العلمية