الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت الجارية البالغة التي حاضت وهي بكر لا أب لها زوجها وليها بغير أمرها فبلغها فرضيت أو سكتت فيكون سكوتها رضا ؟ قال : لا يكون سكوتها رضا ولا يزوجها حتى يستشيرها ، فإن فعل وزوجها بغير مشورتها وكان حاضرا معها في البلد فأعلمها حين زوجها فرضيت رأيت جائزا وإن كان على غير ذلك من تأخير إعلامها بما فعل من تزويجه إياها أو بعد الموضع عنه فلا [ ص: 103 ] يجوز ذلك وإن أجازته ، قال : سحنون فهذا قول مالك الذي عليه أصحابه ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد عن مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها } .

                                                                                                                                                                                      قال مالك : وذلك الأمر عندنا في البكر اليتيمة ، وقالوا عن مالك إنه بلغه أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار كانوا يقولون في البكر يزوجها أبوها بغير إذنها : إن ذلك لازم لها ، وقالوا عن مالك إنه بلغه أن القاسم وسالما كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن قال مالك : وذلك الأمر عندنا في الأبكار ابن نافع عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن السبعة أنهم كانوا يقولون الرجل أحق بإنكاح ابنته البكر بغير أمرها وإن كانت ثيبا فلا جواز لأبيها في إنكاحها إلا بإذنها وهم سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار مع مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل .

                                                                                                                                                                                      ابن وهب عن شبيب بن سعيد التميمي عن محمد بن عمرو بن علقمة يحدث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { اليتيمة تستأمر في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها } .

                                                                                                                                                                                      قال ابن وهب : وأخبرني رجال من أهل العلم عن عمر بن عبد العزيز وابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { كل يتيمة تستأمر في نفسها فما أنكرت لم يجز عليها وما صمتت عليه وأقرت جاز عليها وذلك إذنها } ، وقال مالك : لا تزوج اليتيمة التي يولى عليها حتى تبلغ ولا يقطع عنها ما جعل لها من الخيار وأمر نفسها أنه لا جواز عليها حتى تأذن للحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وكيع عن الفزاري عن الأشعث بن سوار عن ابن سيرين عن شريح قال : " تستأمر اليتيمة في نفسها فإن معصت لم تنكح وإن سكتت فهو إذنها " .

                                                                                                                                                                                      قال سحنون ويدل على أن اليتيمة إذا شورت في نفسها أنها لا تكون إلا بالغا ; لأن التي لم تبلغ لا إذن لها فكيف يشاور من ليس له إذن .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية