الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : ولو قطع يديه ورجليه فمات فعل به الولي ما فعل بصاحبه فإن مات وإلا قتل بالسيف .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح ، ولي المقطوع يداه ورجلاه إذا سرت إلى نفسه بالخيار بين ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن يضرب عنقه ، فيجوز له ذلك باتفاق ، لأن النفس يقتص من تلفها بالسراية كما يقتص من تلفها بالتوجية .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يقتص من يديه ورجله ويعفو عن القصاص في النفس فيجوز ، لأنه لما كان الاقتصاص منها مع عدم السراية كان مع السراية أولى ، فإن اقتص وعفى عن النفس إلى الدية لم يستحقها ، لأنه قد استوفى بقطع اليدين والرجلين أكثر منها ، وهذا من المواضع النادرة التي يجوز أن يقتص فيها من النفس ولا يملك ديتها .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : إذا عفا عن النفس بعد الاقتصاص من الطرف لزمته دية الأطراف ، استدلالا بأن الأطراف تبع للنفس ، فإذا سقط بالعفو القصاص في النفس التي هي أصل سقط في الأطراف التابعة لها ، لأن القصاص لا يتبعض فصار أخذا لها بغير قصاص ، فلزمه ديتها ، ولا دية عليه عند الشافعي للأطراف مع العفو عن النفس .

                                                                                                                                            وبه قال أبو يوسف ، ومحمد .

                                                                                                                                            ودليلنا هو أن ما لم يضمن من الأطراف إذا اندملت فأولى أن لا يضمن إذا سرت ، لأن القصاص في النفس يسقط بالاندمال كما يسقط بالعفو ، ولأنهما حقان يستوفى كل واحد منهما إذا انفرد ، فجاز مع العفو عن أحدهما أن يستوفى الآخر منهما كالطرفين المختلفين ، وكالدين ، وإذا جاز ذلك سقط فيه الضمان .

                                                                                                                                            [ ص: 145 ] والجواب عن استدلاله بدخول الأطراف في النفس : هو أن حكم كل واحد منهما قد ينفرد عن الآخر فلم يصر بعضا منه ولا تابعا له .

                                                                                                                                            والحال الثالثة : أن يقتص من اليدين والرجلين ثم يقتله قصاصا من نفسه ، فيجوز له ذلك عندنا .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يجوز أن يجمع بين القود في الأطراف والنفس ، ويقتص من نفسه دون أطرافه ، استدلالا بأن للطرف بدلين القود والدية ، فلما دخلت دية الأطراف في دية النفس ، وجب أن يدخل قود الأطراف في قود النفس ، لأنه أحد البدلين فأشبه الدية .

                                                                                                                                            ودليلنا : هو أن كل طرف اقتص منه لو انفرد عن النفس جاز الاقتصاص منه وإن اقتص من النفس ، كما لو قتل النفس بالتوجئة ، كذلك إذا قتلها بالسراية ، فإن أبا حنيفة يوافق إذا عاد إليه فذبحه بعد قطع أطرافه أنه يقتص من نفسه وأطرافه ، وإنما يخالف في ذهاب النفس بالسراية إلى القصاص فيما يسقط القصاص في الأطراف ، وإن كان أبو يوسف يسوي بينهما ، ويسقط القصاص من الأطراف فيهما ، ثم يقال لأبي حنيفة : إذا لم يسقط القصاص في الأطراف بالتوجئة التي لم تحدث عن الأطراف فلأن لا تسقط بالسراية الحادثة عن الأطراف أولى ، ولأن المماثلة في القصاص مستحقة ، والأطراف بالأطراف أشبه بالمماثلة من النفس بالأطراف .

                                                                                                                                            والجواب عن قياسهم على الدية مع فساده بالقتل توجئة هو أن القصاص أوسع حكما من الدية ، لأن الجماعة لو قتلوا واحدا قتلوا به جميعا ، وإن لم يجب عليه مع العفو إلا دية واحدة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية