الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2064 قال: وحدثني زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا بخرصها.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي قال عبد الله بن عمر: وحدثني زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - وهذا أخرجه البخاري أيضا في البيوع، عن يحيى بن بكير، عن الليث، وعن القعنبي، عن مالك، وعن محمد بن عبد الله بن المبارك، وفي الشرب، عن محمد بن يوسف، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا، عن يحيى ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وعن محمد بن رافع، وعن يحيى بن يحيى، عن مالك به، وعن يحيى بن يحيى، وعن محمد بن المثنى، عن سليمان بن بلال وهشيم، فرقهما، وعن محمد بن رمح، وعن أبي الربيع وأبي كامل، وعن علي بن حجر، وعن محمد بن المثنى، عن يحيى بن القطان، وأخرجه الترمذي في البيوع، عن هناد، وعن قتيبة، وأخرجه النسائي فيه، عن قتيبة، وعن أبي قدامة، وفيه، وفي الشروط، عن عيسى بن حماد، وعن أبي داود الحراني، وأخرجه ابن ماجه في التجارات، عن محمد بن رمح به، وعن هشام بن عمار ومحمد بن الصباح.

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه) قوله: "في العرايا" جمع عرية فعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه إذا قصده، ويحتمل أن تكون فعيلة بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا قلع ثوبه، كأنها عريت من جملة التحريم، وفي التلويح: العرية النخلة المعراة، وهي التي وهبت تمرة عامها، والعرية أيضا التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل، وقيل: هي النخلة التي قد أكل ما عليها، واستعرى الناس في كل وجه أكلوا الرطب من ذلك، وفي الجامع: وأنت معر، وفي الصحاح: فيعروها الذي أعطيته، أي: يأتيها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما أدخلت فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة قلت: نخلة عري، وقيل: عراه يعروه إذا أتاه يطلب منه عرية فأعراه، أي: إياها، كما يقال: سألني فأسألته، فالعرية اسم للنخلة المعطى ثمرها، فهي اسم لعطية خاصة، وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة، كالمنيحة لعطية الشاة، والإفقار لما ركب فقاره، فعلى هذا إن العرية عطية لا بيع، ثم اختلفوا في تفسير العرية شرعا، فقال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق: العرية المذكورة في الحديث هي إعطاء الرجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عاما، وقال قوم: العرية النخلة والنخلتان والثلاث يجعل للقوم فيبيعون ثمرها بخرصها تمرا، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق، وروي عن زيد بن ثابت، وقال قوم مثل هذا، إلا أنهم خصوا بذلك المساكين يجعل لهم تمر النخل فيصعب عليهم القيام عليها، فأبيح لهم أن يبيعوه بما شاءوا من التمر، وهو قول سفيان بن حسين وسفيان بن عيينة، وقال قوم: العرية الرجل يعري النخلة أو يستثني من ماله النخلة أو النخلتين يأكلها فيبيعها بمثل خرصها، وهو قول عبد ربه بن سعيد الأنصاري، وقال قوم: العرية أن يأتي أوان الرطب وهناك قوم فقراء لا مال لهم يريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من أقواتهم، فإن لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق، وهو قول الشافعي وأبي ثور، ولا عرية عندهما في غير النخل والعنب.

                                                                                                                                                                                  [ ص: 292 ] وقال الطحاوي: وكان أبو حنيفة يقول فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر أنه سمع محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: معنى ذلك عندنا أن يعري الرجل الرجل تمر نخلة من نخله فلم يسلم ذلك إليه حتى يبدو له يعني يظهر له أن لا يمكنه من ذلك فيعطيه مكانه خرصه تمرا، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد، وقال ابن الأثير: العرية هي أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل لهم يطعمهم منه، ويكون قد فضل له تمر من قوته فيجيء إلى صاحب النخل فيقول له: بعني تمر نخلة أو نخلتين بخرصها من التمر، فيعطيه ذلك الفاضل من التمر بتمر تلك النخلات ليصيب من رطبها مع الناس، فرخص فيه إذا كان دون خمسة أوسق، وقال ابن زرقون: هي عطية ثمر النخل دون الرقاب، كانوا يعطون ذلك إذا دهمتهم سنة لمن لا نخل له فيعطيه من نخله ما سمحت به نفسه مثل الإفقار والمنحة والعمرى، وكانت العرب تتمدح بالإعراء، وقال النووي رحمه الله: العرية هي أن يخرص الخارص نخلات فيقول: هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلا، فيعطيه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق، ويتقاصان في المجلس فيتسلم الثمن ويتسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية، وهذا جائز فيما دون خمسة أوسق، ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق، وفي جوازه في خمسة أوسق قولان للشافعي، أصحهما لا يجوز، والأصح أنه يجوز ذلك للفقراء والأغنياء، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب، وبه قال أحمد، وقال أبو عمر: فجملة قول مالك وأصحابه في العرايا أن العراية هي أن يهب الرجل حائطه خمسة أوسق فما دونها، ثم يريد أن يشتريها من المعري عند طيب الثمرة، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرا عند الجذاذ، وإن عجل له لم يجز، ولا يجوز ذلك لغير المعري; لأن الرخصة وردت فيه، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض، وقال أيضا: ولا يجوز البيع في العرايا عند مالك وأصحابه إلا لوجهين، إما لدفع ضرر دخول المعرى على المعري، وإما لأن يرفق المعرى فتكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها تمرا إلى الجذاذ، وفي الاستذكار يجوز الإعراء في كل نوع من الثمر كان مما ييبس ويدخر أم لا، وفي القثاء والموز والبطيخ، قاله ابن حبيب، قبل الإبار وبعده، لعام أو لأعوام في جميع الحائط أو بعضه، وقال عبد الوهاب: بيع العارية جائز بأربعة شروط:

                                                                                                                                                                                  أحدها: أن يزهي، وهو قول جمهور الفقهاء، وقال يزيد بن حبيب: يجوز وقبل بدو الصلاح.

                                                                                                                                                                                  والثاني: أن يكون خمسة أوسق فأدنى، وهو رواية المصريين عن مالك، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد أنه لا يجوز إلا في خمسة أوسق، فإن خرصت أقل من خمسة أوسق فلما جذت وجد أكثر، ففي المدونة روى صدقة بن حبيب عن مالك أن الفضل لصاحب العارية، ولو أقل من الخرص ضمن الخرص، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص.

                                                                                                                                                                                  والثالث: أن يعطيه خرصها عند الجذاذ، ولا يجوز له تعجيل الخرص تمرا، خلافا للشافعي في قوله: إنه يجب عليه أن يعجل الخرص تمرا، ولا يجوز أن يفترقا حتى يتقابضا.

                                                                                                                                                                                  والشرط الرابع: أن يكون من صنعها فإذا باعها بخرصها إلى الجذاذ، ثم أراد تعجيل الخرص جاز، قاله ابن حبيب، وعن مالك فيما يصح ذلك فيه من الثمار روايتان:

                                                                                                                                                                                  إحداهما: أنه لا يجوز إلا في النخل والعنب، وبه قال الشافعي.

                                                                                                                                                                                  والثانية: أنه يجوز في كل ما ييبس ويدخر من الثمار كالجوز واللوز والتين والزيتون والفستق، رواه أحمد، وقال أشهب: في الزيتون يجوز إذا كان ييبس ويدخر، وأما النخل الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب، فعلى اشتراط التيبيس يجب أن لا يجوز.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية