الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1911 121 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله : " فليتحرها في السبع الأواخر " .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي في الرؤيا عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك به .

                                                                                                                                                                                  قوله : " أروا " بضم الهمزة مجهول فعل ماض من الإراءة ، وقال بعضهم : أي قيل لهم في المنام : إنها في السبع الأواخر ، قلت : هذا التفسير ليس بصحيح لأنه يقتضي أن ناسا قالوا لهم إن ليلة القدر في السبع الأواخر ، وليس هذا تفسير قوله : " أروا ليلة القدر في المنام " بل تفسيره أن ناسا أروهم إياها فرأوا ، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنها في السبع الأواخر ، ولا يستلزم هذا رؤيتهم قوله : " في السبع الأواخر " ليس ظرفا للإراءة قاله الكرماني : وسكت ومعناه إنه صفة لقوله : " في المنام " أي في المنام الواقع أو الكائن في السبع الأواخر .

                                                                                                                                                                                  قوله : " قد تواطأت " أي توافقت وأصل الكلمة بالهمزة وفي رواية البخاري في التعبير من طريق الزهري " عن سالم ، عن أبيه أن ناسا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر وأن ناسا أروا أنها في العشر الأواخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم التمسوها في السبع الأواخر " ولم يقل في العشر الأواخر لأنه كأنه نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين فأمر به .

                                                                                                                                                                                  قوله : " فمن كان متحريها " أي طالبها وقاصدها لأن التحري القصد والاجتهاد في الطلب ثم إن هذا الحديث دل على أن ليلة القدر في السبع الأواخر لكن من غير تعيين .

                                                                                                                                                                                  وقد اختلف العلماء فيها فقيل : هي أول ليلة من رمضان ، وقيل : ليلة سبع عشرة ، وقيل : ليلة ثمان عشرة ، وقيل : ليلة تسع عشرة ، وقيل : ليلة إحدى وعشرين ، وقيل : ثلاث وعشرين ، وقيل : ليلة خمس وعشرين ، وقيل : ليلة سبع وعشرين ، وقيل : ليلة تسع وعشرين ، وقيل : آخر ليلة من رمضان ، وقيل : في أشفاع هذه الأفراد ، وقيل : في السنة كلها ، وقيل : جميع شهر رمضان ، وقيل : يتحول في ليالي العشر كلها .

                                                                                                                                                                                  وذهب أبو حنيفة : إلى أنها في رمضان تتقدم وتتأخر ، وعند أبي يوسف ومحمد : لا تتقدم ولا تتأخر لكن غير معينة .

                                                                                                                                                                                  وقيل : هي عندهما في النصف الأخير من رمضان ، وعند الشافعي في العشر الأخير لا تنتقل ولا تزال إلى يوم القيامة ، وقال أبو بكر الرازي : هي غير مخصوصة بشهر من الشهور ، وبه قال : الحنفيون وفي قاضيخان المشهور عن أبي حنيفة أنها تدور في السنة كلها وقد تكون في رمضان وقد تكون في غيره ، وصح ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وعكرمة وغيرهم ، وقد زيف المهلب هذا القول وقال : لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الأهلة وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في صيام رمضان فلا يعتبر في غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن رمضان انتهى قلت : تزييفه هذا القول فاسد لأن قصده تزييف قول الحنفية ، ولا يدري أنه في نفس الأمر تزييف [ ص: 132 ] قول ابن مسعود ، وابن عباس وهذا جرأة منه ومع هذا مأخذ ابن مسعود كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا يتكل الناس ، وقال الإمام نجم الدين أبو حفص عمر النسفي في منظومته .


                                                                                                                                                                                  وليلة القدر بكل الشهر دائرة وعيناها فأدر

                                                                                                                                                                                  وذهب ابن الزبير إلى ليلة سبع عشرة وأبو سعيد الخدري إلى أنها ليلة إحدى وعشرين ، وإليه ذهب الشافعي ، وعن عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين : وعن ابن عباس وغيره من جماعة من الصحابة ليلة سبع وعشرين ، وعن بلال ليلة أربع وعشرين ، وعن علي رضي الله تعالى عنه ليلة تسع عشرة ، وقيل : هي في العشر الأوسط والعشر الأخير ، وقيل : في أشفاع العشر الأواخر ، وقيل : في النصف من شعبان .

                                                                                                                                                                                  وقال الشيعة : إنها رفعت وكذا حكى المتولي في التتمة عن الروافض وكذا حكى الفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية قلت : هذا النقل عن الحنفية غير صحيح ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " التمسوها في كذا وكذا " يرد عليهم وقد روى عبد الرزاق من طريق داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن خنيس قلت لأبي هريرة : زعموا أن ليلة القدر رفعت قال : كذب من قال ذلك ، وقال ابن حزم : فإن كان الشهر تسعا وعشرين فهي في أول العشر الأخير بلا شك فهي إما في ليلة عشرين أو ليلة اثنين وعشرين ، أو ليلة أربع وعشرين ، أول ليلة ست وعشرين أو ليلة ثمان وعشرين ، وإن كان الشهر ثلاثين : فأول العشر الأواخر بلا شك إما ليلة إحدى وعشرين أو ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة خمس أو ليلة سبع أو ليلة تسع وعشرين في وترها ، وعن ابن مسعود أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة بدر ، وحكاه ابن أبي عاصم أيضا عن زيد بن أرقم .

                                                                                                                                                                                  وقيل : إن ليلة القدر خاصة بسنة واحدة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه الفاكهاني ، وقيل : خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم قبلهم جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية ، ونقله عن الجمهور صاحب العدة من الشافعية ورجحه ويرد عليهم ما رواه النسائي من حديث أبي ذر حيث قال فيه : قلت : " يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال : بل هي باقية " فإن قلت : روى مالك في الموطأ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله تعالى ليلة القدر ، قلت : هذا محتمل للتأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر ، وذكر بعضهم فيها خمسة وأربعين قولا وأكثرها يتداخل ، وفي الحقيقة يقرب من خمسة وعشرين فإن قلت : ما وجه هذه الأقوال قلت : مفهوم العدد لا اعتبار له فلا منافاة ، وعن الشافعي والذي عندي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل عنه يقال له : نلتمسها في ليلة كذا فيقول التمسوها في ليلة كذا ، وقيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدث بميقاتها جزما فذهب كل واحد من الصحابة بما سمعه والذاهبون إلى سبع وعشرين هم الأكثرون .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية