الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى مَنْ سَلَّمَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمُرَجَّحِ الْمُوجَبِ بِالذَّاتِ، وَمَنَعَهُ فِي الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ، فَالصَّوَابُ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، لَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ وَالْفَاعِلِ بِالِاخْتِيَارِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا ذَكَرُوهُ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِكُلِّ وَجْهٍ، وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ مُوجَبٌ بِذَاتِهِ تَجِبُ مُقَارَنَةُ مُوجِبِهِ لَهُ أَصْلًا؛ بَلْ جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ لَا يُوجَدُ الْأَثَرُ عَنْهَا إِلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمُنَا فِي الْمَوْجُودَاتِ سَبَبًا، هُوَ مُوجَبٌ بِذَاتِهِ، وَهُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ مُوَلَّدٌ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا خِلَافٌ مَا الْوُجُودُ عَلَيْهِ فَمَا مِنْ أَثَرٍ يَصْدُرُ إِلَّا عَنِ اشْتِرَاكٍ بِسَبَبَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ وَمَعَ هَذَا فَيُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُمَا [وَإِذَا] وُجِدَ هَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُقَالُ إِنَّهُ مُؤَثِّرٌ مِنَ الْمُؤَثِّرِ بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ وَبِطَبْعِهِ وَقُوَّتِهِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَسْتَقِلُّ بِأَثَرٍ وَحْدَهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ بِذَاتِهِ، وَالْأَثَرُ الْحَاصِلُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ أَسْبَابٍ كَالْحَرِيقِ الْحَاصِلِ عِنْدَ وُجُودِ النَّارِ وَجِسْمٍ يُلَاقِيهِ، وَالشُّعَاعِ الْحَاصِلِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّمْسِ وَجِسْمٍ يُقَابِلُهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَيْضًا فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونَ إِشْرَاقٌ وَلَا إِحْرَاقٌ، فَإِذَا كَانَ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ مَنْ يَفْعَلُ بِذَاتِهِ أَثَرًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُوجَبٌ، وَإِنَّمَا الْأَثَرُ يَصْدُرُ عَنْ شَيْئَيْنِ كَصُدُورِ الْوَلَدِ عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَالنَّتِيجَةِ عَنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، كَيْفَ يُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّ الْمُوجَبَ بِالذَّاتِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْأَثَرُ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؟ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْقَوْمَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وَعَدَلُوا بِهِ وَضَرَبُوا لَهُ مَثَلَ السُّوءِ، كَمَا فَعَلَ إِخْوَانُهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهُ يُوَلِّدُ الْبَنَاتَ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِتَوْلِيدِهِنَّ، وَجَعَلُوا مَمْلُوكَهُ شَرِيكَهُ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِمُشَارَكَةِ الْمَمْلُوكِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْأَثَرَ لَازِمًا لَهُ، يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، قِيَاسًا عَلَى مَا هُوَ مُوجَبٌ بِذَاتِهِ مِنَ الْعِلَلِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجِدُوا فِي الْعِلَلِ مَا يَكُونُ مَعْلُولُهُ لَازِمًا، لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَوَصَفُوا اللَّهَ بِمَا يُنَزِّهُونَ عَنْهُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَوَصَفُوهُ مِنَ التَّوَلُّدِ وَالْعَجْزِ بِمَا لَا يَصِفُونَ بِهِ الْمَصْنُوعَاتِ. وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْجُودِ مُؤَثِّرٌ تَامٌّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَهَ سِوَاهُـوَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ كَالْأَشْعَرِيِّ: "إِنَّ أَخَصَّ وَصْفِ اللَّهِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ" وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَخَصِّ أَوْصَافِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَحْدَهُ الْأَخَصَّ؛ لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ حَرَّرَ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْأَصْلِ تَحْرِيرًا بَايَنَ بِهِ سَائِرَ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَكَانَ انْتِصَارُهُ لِهَذَا الْأَصْلِ مِنْ أَحْسَنِ، أَوْ أَحْسَنِ مَا نَصَرَهُ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَأَمَّا الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُوجَبِ بِالذَّاتِ وَالْفَاعِلِ بِالِاخْتِيَارِ فِي الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ فَتَفْرِيقُهُمْ بَاطِلٌ، أَمَّا فِي الشَّاهِدِ فَلِأَنَّ الْفَاعِلَ بِاخْتِيَارِهِ إِذَا حَصَلَ عِنْدَهُ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُوجَبِ بِذَاتِهِ، وَجَازَ أَنْ يُسَمَّى مُوجَبًا بِذَاتِهِ، وَالْمُوجَبُ بِذَاتِهِ إِنَّمَا أُوجِبَ بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ طَبِيعِيَّةٍ، هِيَ نَظِيرُ الِاخْتِيَارِ فِي الْمُخْتَارِ، وَكِلَاهُمَا فِيهِ قُوَّةٌ فُعِلَ بِهَا، وَكِلَاهُمَا فِيهِ اقْتِضَاءٌ وَمَيْلٌ إِلَى الْفِعْلِ، وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى طَبِيعَةً وَغَرِيزَةً، فَإِنَّ خِلْقِيَّةَ الْحَيِّ يُسَمَّى طَبِيعَةً لَهُ، كَمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ مَا فِي الْجَامِدَاتِ؛ لَكِنَّ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ حُصُولَ الشُّعُورِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَالشُّعُورُ يَسْتَلْزِمُ اللَّذَّةَ وَالْأَلَمَ، وَلِهَذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ جُعِلَ أَحَدُهُمَا إِرَادَةً دُونَ الْآخَرِ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسَمَّى إِرَادَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الْكَهْفِ: 77]. وَهَذَا الْفَرْقُ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ فِي الْإِسْلَامِ الْقَدَرِيَّةُ، وَبَالَغُوا فِي إِثْبَاتِ الْفِعْلِ لِلْحَيِّ الْقَادِرِ، حَتَّى جَعَلُوا الْإِنْسَانَ مُسْتَقِلًّا بِمَا يَفْعَلُهُ، وَأَخْرَجُوا فِعْلَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ وَمَقْدُورًا لَهُ وَمُرَادًا لَهُ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي هَذَا، فَقَدَ وَافَقُوهُمْ وَزَادُوا عَلَيْهِمْ فِي سَلْبِ مَا فِي الْأَجْسَامِ مِنَ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ الَّتِي بِهَا يُفْعَلُ مَا جَعَلَهَا اللَّهُ فَاعِلَةً لَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ فَالْجَمِيعُ فِيهِ الْقُوَى وَالطَّبَائِعُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْمَيْلِ إِلَى الْفِعْلِ وَالْحَرَكَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ الْحَيَاةِ أَوْ بِدُونِهَا، وَاللَّهُ هُوَ خَالِقُ هَذَا كُلِّهِ؛ لَكِنَّ غَيْرَ الْحَيِّ لَا تَكُونُ حَرَكَتُهُ إِلَّا تَبَعًا: إِذَا خَرَجَ مِنْ مُسْتَقَرِّهِ كَانَ فِيهِ مَيْلٌ إِلَى مُسْتَقَرِّهِ، فَلَيْسَتِ الْحَرَكَةُ فِيهِ أَصْلِيَّةً، بِخِلَافِ الْحَيِّ، فَإِنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الْكَوْنِ مَبْدَؤُهَا مِنِ اخْتِيَارٍ حَيٍّ، وَمَلَائِكَةُ اللَّهِ تَعَالَى هُمُ الَّذِينَ يُدَبِّرُ اللَّهُ بِهِمْ مَا يُدَبِّرُهُ مِنْ أَمْرِ خَلِيقَتِهِ، كَمَا يُدَبِّرُ بِالْآدَمِيِّينَ مَا شَاءَ؛ لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النَّازِعَاتِ: 5] وَقَالَ تَعَالَى: فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذَّارِيَاتِ: 4] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. فَأُولَئِكَ الْفَلَاسِفَةُ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وَعَدَلُوا بِهِ حَيْثُ قَاسُوهُ عَلَى الْمُوجَبِ بِذَاتِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَمْثَلَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ وَأَشْرَكُوا بِمَا شَبَّهُوهُ بِالْفَاعِلِ بِاخْتِيَارِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، ثُمَّ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لَوْ كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتًا لَكَانَ قِيَاسُهُ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَسْوِيَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ فَكَيْفَ وَحُكْمُ الْأَصْلِ مُنْتَفٍ فِي الْأَصْلَيْنِ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ قَاسُوهُ عَلَى الْمُوجَبِ بِذَاتِهِ الَّذِي يَجِبُ مُقَارَنَةُ الْأَثَرِ لَهُ، وَهَؤُلَاءِ قَاسُوهُ عَلَى الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ الَّذِي يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ نَفْسُهُ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ قَادِرٌ مُخْتَارٌ بِهَذَا الْمَثَابَةِ، كُلُّ قَادِرٍ مُخْتَارٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ حَتَّى تَثْبُتَ لَهُ إِرَادَةٌ جَازِمَةٌ مُعَيِّنَةٌ لِمُرَادِهِ، وَتَكُونُ حَاصِلَةً فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، لَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ يَسْتَقِلُّ بِالْفِعْلِ بِإِرَادَتِهِ الَّتِي لَمْ يَسْتَفِدْهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَضْطَرُّ إِلَى الْفِعْلِ، فَلَا فِعْلُهُ، وَلَا نَفْسُ إِرَادَتِهِ تَضْطَرُّهُ، بَلْ هَذَانِ وَصْفُ الْآدَمِيِّينَ وَإِنْكَارُ الْقَدَرِيَّةِ، لِذَلِكَ وَمَا يُقَالُ إِنَّهُ مُوجَبٌ بِذَاتِهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّهُ يَقْتَضِي بِالطَّبْعِ بِلَا حَيَاةٍ وَلَا شُعُورٍ، أَوْ قِيلَ إِنَّ لَهُ حَيَاةً وَشُعُورًا لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ بَلْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ مَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا بِشَرِيكٍ مُعَاوِنٍ لَهُ، يَكُونُ هُوَ وَذَاكَ سَبَبَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ [لَهُ] ، ثُمَّ إِذَا وُجِدَ شَرِيكٌ كَانَ صُدُورُ الْأَثَرِ عَنْهُمَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَا بِمَشِيئَتِهِ، وَيَكُونُ عَاجِزًا عَنْ رَدِّ الْأَثَرِ إِذَا وُجِدَ الشَّرِيكُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَ عَاجِزًا عَنْ رَدِّ الشَّيْءِ لِفِعْلِ غَيْرِهِ لَهُ؛ بَلْ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَظَهَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَمِيعَهُمْ أَتَوْا مِنْ تَمْثِيلِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ؛ ثُمَّ إِنَّهُمْ غَلِطُوا فِي حُكْمِ الْأَصْلِ الَّذِي مَثَّلُوهُ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الْأَنْعَامِ: 100-101]. فَهَذَا بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْوَاحِدَةِ: أَنَّهُ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الْأَثَرِ إِذَا كَانَ تَامًّا. وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ امْتَنَعَ صُدُورُ الْفِعْلِ عَنْهُ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ تَامًّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَهُمْ إِنَّمَا يُوجِبُونَ بِالْمُؤَثِّرِ التَّامِّ مَا تَجِبُ مُقَارَنَةُ الْفِعْلِ لَهُ، وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ هَذَا لَا وُجُودَ لَهُ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ امْتَنَعَ وُجُودُ الْفِعْلِ؛ بَلْ جَمِيعُ الْمُؤَثِّرَاتِ الَّتِي نَشْهَدُهَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْأَثَرِ عَنْهَا فَلَا تَكُونُ تَامَّةً عِنْدَهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَالْأَثَرُ يُوجَدُ عِنْدَهَا، ثُمَّ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الْأَثَرِ عَنْهَا لَمْ يُسَلِّمْ أَنَّ الْبَارِيَ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ صُدُورُ الْفِعْلِ عَنْهُ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا تَامًّا فَيَمْتَنِعُ صُدُورُ الْفِعْلِ عَنْهُ، بَلْ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ عَيْنُ الْبَاطِلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقَالَ: لَا يَفْعَلُ حَتَّى يَمْتَنِعَ أَنْ يَفْعَلَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَفْعَلَ إِذَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَفْعَلَ؛ فَالْفِعْلُ مِنْهُ: إِمَّا وَاجِبٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ مُمْتَنِعٌ / لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ؛ بَلْ هَذَا سَلْبٌ لِقُدْرَتِهِ الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ فِعْلِهِ، وَقَدْ جَعَلُوهُ بِهَذَا أَعْجَزَ مِنْ عَامَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنْقَصَ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِحَالٍ يَكُونُ الْمُتَوَلِّدُ عَنْهُ إِمَّا وَاجِبًا لَا يُمْكِنُ عَدَمُهُ بِحَالٍ، وَإِمَّا مُمْتَنِعًا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِحَالٍ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَوْجُودَةَ يَجِبُ وُجُودُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا، وَمَا لَمْ يُوجَدْ يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ لَهَا، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَالْوُجُوبُ وَالِامْتِنَاعُ هُوَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَدَمِ مَشِيئَتِهِ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ وَالِامْتِنَاعُ بِحَسَبِ سَبَبٍ آخَرَ. فَهَذَا بَاطِلٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ. وَمَنِ اسْتَقْرَأَ الْمَوْجُودَاتِ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مُوجِبًا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُوجَبًا، وَيَمْتَنِعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجَبًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَنْ يُوجَدَ ذَلِكَ الْأَثَرُ، وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ وَالِامْتِنَاعُ فِي الْمُمْكِنَاتِ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا نَظِيرَ لِمَشِيئَتِهِ كَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَمَنْ قَاسَهَا وَمَثَّلَهَا بِغَيْرِهَا فَهُوَ كَمَنْ قَاسَهُ وَمَثَّلَهُ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِهِ وَجَعْلِ الْأَنْدَادِ وَالْأَمْثَالِ وَالْأَكْفَاءِ لَهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مُمَاثَلَتَهُ لِغَيْرِهِ تُوجِبُ اتِّصَافَ أَحَدِهِمَا بِصِفَةِ الْآخَرِ؛ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَهُ بِغَيْرِهِ فِيمَا هُوَ نَقْصٌ وَعَجْزٌ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُمَثَّلُ بِغَيْرِهِ، وَيُسَوَّى بِهِ فِي الْكَمَالَاتِ، فَكَيْفَ فِي النَّقَائِصِ! فَصَارَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَيْسَ ثَابِتًا لِغَيْرِهِ حَتَّى يُجْعَلَ هُوَ وَإِيَّاهُ تَحْتَ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ فِي قِيَاسٍ شُمُولِيٍّ، أَوْ يُشَبَّهُ بِهِ فِي قِيَاسِ تَمْثِيلٍ، وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ مُقَدَّرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْدَلَ بِاللَّهِ وَيُسَوَّى بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُعْدَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يُعْدَلْ بِهِ فِيمَا هُوَ نَقْصٌ، لَا يُعْدَلُ بِالنَّاقِصَاتِ، فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَوْجُودًا كَانَ قِيَاسُهُمْ مِنْ بَابِ: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ حَيْثُ وَصَفُوهُ بِمَا يُنَزِّهُونَ عَنْهُ الْمَخْلُوقَاتِ فَكَيْفَ وَلَا وُجُودَ لِلْأَصْلِ؟

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية