الوجه الأربعون: أن يقال: ومن المعلوم أن هذا الباب كثيرا ما يقال فيه: إن الناس يتناقضون فيه، فيثبت أحدهما شيئا من وجود واجب أو اسم أو صفة وينفي لوازمه. أو ينفي الجسم
[ ص: 629 ] ونحوه ويثبت ملازمه، ولا ريب أن
nindex.php?page=treesubj&link=29640باب الإثبات حجته العقلية الضرورية والنظرية أعظم من حجج النفي. فإن النفاة ليس معهم حجج ضرورية، وليس معهم قياس عقلي إلا ومع أولئك ما هو أقوى وأكثر. هذا إذا لم يعرف الإنسان القدح في مقاييسهم، وإلا فمن عرف القدح فيها تبين له أن حاصلها تهويل لا تحصيل. وأما الحجج السمعية فهي مع المثبتة أضعافا مضاعفة، وليس مع النفاة ما يفيد ظنا.
وإذا كان كذلك فالذي تسميه النفاة تجسيما إذا كان لازما أمكن المثبتة أن تلتزمه، ويكون مقرره الأدلة العقلية والسمعية، وأما النفاة فلا يمكنهم النفي إلا إذا تركوا العقل والسمع، وهذه حال أهل النار الذين قالوا:
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=10لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك 10] وإذا لم يكن لازما لم يحتج إلى إثباته، وإن دفع الشك في لزومه وكان في تناقض المثبت مع نفي الجسم قولان، فلا ريب أن تناقض المثبت أقل بكثير من تناقض النافي ومتابعته الأدلة السمعية والعقلية أكثر، وتقريره للفطرة والشرعة أظهر، وإذا كان ما في جانبه من الخطأ أقل لم يجز أن يرجع إلى من خطؤه أكثر، بل على ذلك أن يوافقه على ما معه من الصواب، ثم إن رجعا جميعا إلى تمام الصواب وإلا كان استكثارهما من الصواب أولى وأحب من استكثار الخطأ.
الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: أَنْ يُقَالَ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا الْبَابَ كَثِيرًا مَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ النَّاسَ يَتَنَاقَضُونَ فِيهِ، فَيُثْبِتُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ وُجُودٍ وَاجِبٍ أَوِ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ وَيَنْفِي لَوَازِمَهُ. أَوْ يَنْفِي الْجِسْمَ
[ ص: 629 ] وَنَحْوَهُ وَيُثْبِتُ مُلَازِمَهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=29640بَابَ الْإِثْبَاتِ حُجَّتُهُ الْعَقْلِيَّةُ الضَّرُورِيَّةُ وَالنَّظَرِيَّةُ أَعْظَمُ مِنْ حُجَجِ النَّفْيِ. فَإِنَّ النُّفَاةُ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَجٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ قِيَاسٌ عَقْلِيٌّ إِلَّا وَمَعَ أُولَئِكَ مَا هُوَ أَقْوَى وَأَكْثَرُ. هَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْإِنْسَانُ الْقَدْحَ فِي مَقَايِيسِهِمْ، وَإِلَّا فَمَنْ عَرَفَ الْقَدْحَ فِيهَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ حَاصِلَهَا تَهْوِيلٌ لَا تَحْصِيلٌ. وَأَمَّا الْحُجَجُ السَّمْعِيَّةُ فَهِيَ مَعَ الْمُثْبِتَةِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلَيْسَ مَعَ النُّفَاةِ مَا يُفِيدُ ظَنًّا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالَّذِي تُسَمِّيهِ النُّفَاةُ تَجْسِيمًا إِذَا كَانَ لَازِمًا أَمْكَنَ الْمُثْبِتَةَ أَنْ تَلْتَزِمَهُ، وَيَكُونُ مُقَرِّرُهُ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ وَالسَّمْعِيَّةَ، وَأَمَّا النُّفَاةُ فَلَا يُمْكِنُهُمُ النَّفْيُ إِلَّا إِذَا تَرَكُوا الْعَقْلَ وَالسَّمْعَ، وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ قَالُوا:
nindex.php?page=tafseer&surano=67&ayano=10لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الْمُلْكِ 10] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِهِ، وَإِنْ دَفْعَ الشَّكَّ فِي لُزُومِهِ وَكَانَ فِي تَنَاقُضِ الْمُثْبِتِ مَعَ نَفْيِ الْجِسْمِ قَوْلَانِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ تَنَاقُضَ الْمُثْبِتِ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ تَنَاقُضِ النَّافِي وَمُتَابَعَتُهُ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ أَكْثَرَ، وَتَقْرِيرُهُ لِلْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ أَظْهَرُ، وَإِذَا كَانَ مَا فِي جَانِبِهِ مِنَ الْخَطَأِ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْ خَطَؤُهُ أَكْثَرُ، بَلْ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُوَافِقَهُ عَلَى مَا مَعَهُ مِنَ الصَّوَابِ، ثُمَّ إِنْ رَجَعَا جَمِيعًا إِلَى تَمَامِ الصَّوَابِ وَإِلَّا كَانَ اسْتِكْثَارُهُمَا مِنَ الصَّوَابِ أَوْلَى وَأَحَبَّ مِنِ اسْتِكْثَارِ الْخَطَأِ.