الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
وَكَانَ الْمُثْبِتَةُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي مُسَمَّى الْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ الصِّفَاتِيَّةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ كُلَّابٍ فِي مَعْنَى الْوَاحِدِ، وَأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ فِي مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، وَفِي مَعْنَى قَوْلِنَا مُطْلَقًا لِلشَّيْءِ إِنَّهُ وَاحِدٌ. فَقَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِنَا اللَّهُ وَاحِدٌ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُ. وَقَالَ فِي مَعْنَى مُطْلَقِ قَوْلِنَا إِنَّهُ وَاحِدٌ إِنَّهُ قَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِمَا هُوَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ وَهُوَ أَجْسَامٌ مُتَمَاثِلَةٌ كَمَا يُقَالُ: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَقَوْلُنَا لِلْخَالِقِ وَاحِدٌ لَا عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ لِأَجْلِ أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ اللَّهُ وَاحِدًا قَبْلَ خَلْقِهِ فَلَمْ تُدَاخِلْهُ الْأَشْيَاءُ حِينَ خَلَقَهَا وَلَمْ يُدَاخِلْهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا. قَالَ: وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا، وَلَوْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيهِ كَانَ كَذَلِكَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا فِيهِ أَوْ هُوَ فِيهَا لَزِمَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ كَانَ فِي الْمَخْلُوقِ أَوِ الْمَخْلُوقُ فِيهِ، فَلَمَّا اسْتَحَالَ فِي رَبِّنَا أَنْ يُدَاخِلَ الْمَخْلُوقِينَ فَيَكُونُ بَعْضًا لَهُمْ أَوْ يُدَاخِلُوهُ فَيَكُونُوا بَعْضًا لَهُ لَمْ نَجِدْ مَنْزِلَةً ثَالِثَةً غَيْرَ أَنَّهُ بَائِنٌ بِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ؛ فَهِيَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِيهِ وَلَا مُمَاسَّةٍ لَهُ وَلَا هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا وَلَا مُمَاسٌّ لَهَا، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا. فَإِنْ قَالُوا: فَيَعْتَقِبُهُ الطُّولُ وَالْعَرْضُ، قِيلَ لَهُمْ: هَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا كَالْآحَادِ، عَظِيمٌ لَا تُقَاسُ عَظَمَتُهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا أَنَّهُ كَبِيرٌ عَلِيمٌ لَا كَالْعُلَمَاءِ، كَذَلِكَ هُوَ وَاحِدٌ عَظِيمٌ لَا كَالْآحَادِ الْعُظَمَاءِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْعَظِيمُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَجَزِّيًا، قِيلَ لَكَ: وَالْعَلِيمُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَجَزِّيًا، وَكَذَلِكَ السَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ؛ لِأَنَّكَ تَقِيسُ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ ابْنُ فُورَكَ وَحَكَى حَاكُونَ عَنِ ابْنِ كُلَّابٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُضْبَطَ بِالْوَهْمِ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَرَادَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدِيمًا فَلَابُدَّ مِنْ صِفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا فَمِنْ أَعْرَاضٍ. قُلْتُ: هَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ إِبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهُمْ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا صِفَةَ لَهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَيَمْتَنِعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُودِ وَاحِدٌ كَمَا سَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُخَالَفَةَ قَوْلِهِمْ لِلُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. وَلَكِنْ كَثِيرًا مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الصِّفَاتِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَنَحْوِهِمْ فَسَّرُوا الْوَاحِدَ وَالتَّوْحِيدَ بِنَحْوِ تَفْسِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَلَمْ يُفَسِّرُوهُ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ كُلَّابٍ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، لَكِنْ مَعَ تَفْسِيرِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا يَنْفِي التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ لَمْ يَلْتَزِمُوا أَنَّ ذَلِكَ يَنْفِي الصِّفَاتِ بَلْ عِنْدَهُمْ تَفْسِيرُ الْوَاحِدِ بِذَلِكَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ، وَهَذَا مِنْ مَوَاقِعِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ نَفْيَ الصِّفَاتِ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْوَاحِدِ وَأَمَّا الصِّفَاتِيَّةُ فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْوَاحِدُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ أَوْ لَا يَصِحُّ انْقِسَامُهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَلَوْ قُلْتُ: الْوَاحِدُ هُوَ الشَّيْءُ كَانَ كَافِيًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِّ تَرْكِيبٌ. وَفِي قَوْلِ الْقَائِلِ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ نَوْعُ تَرْكِيبٍ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي: يُقَالُ لِلْقَاضِي: التَّرْكِيبُ فِي الْحُدُودِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْحَادُّ بِوَصْفٍ زَائِدٍ يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَقَدْ لَا تَفْهَمُ مِنَ الشَّيْءِ الْمُطْلَقِ مَا تَفْهَمُ مِنَ الْمُقَيَّدِ، وَلَيْسَ يُفْهَمُ مِنَ الشَّيْءِ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ؛ فَإِنَّ الْوَحْدَةَ تُشْعِرُ بِانْتِفَاءِ الْقِسْمَةِ عَنِ الشَّيْءِ الْمَقْصُودِ مِنَ التَّحْدِيدِ وَالْإِيضَاحِ. أَجَابَ الْقَاضِي بِأَنْ قَالَ: كَلَامُنَا فِي الْحَقَائِقِ وَالشَّيْءِ الْمُطْلَقِ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ. قَالَ مُنَازِعُوهُ: وَيُقَالُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَحْدَةَ تُشْعِرُ بِانْتِفَاءِ الْقِسْمَةِ عَنِ الشَّيْءِ فَهُمَا أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ؛ فَلَابُدَّ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُمَا. ثُمَّ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا سُئِلْنَا عَنِ الْوَاحِدِ؛ فَنَقُولُ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُرَدَّدُ بَيْنَ مَعَانٍ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ لَا يَقْبَلُ وُجُودَ الْقِسْمَةِ، وَقَدْ يُطْلَقُ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْأَشْكَالِ وَالنَّظَائِرِ عَنْهُ، وَقَدْ يُطْلَقُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ وَمَلَاذَ سِوَاهُ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي مُتَحَقِّقَةٌ فِي وَصْفِ الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ: إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا قَسِيمَ لَهُ وَوَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ وَوَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَحَكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْوَاحِدُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الرَّفْعَ وَالْوَضْعَ، يَعْنِي الْوَصْلَ وَالْفَصْلَ. قَالَ الْأَنْصَارِيُّ، إِشَارَةً إِلَى وَحْدَةِ الْإِلَهِ: فَإِنَّ الْجَوْهَرَ وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ، وَلَكِنْ يَقْبَلُ النِّهَايَةَ وَالْإِلَهَ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَلَا يَقْبَلُ فَصْلًا وَلَا وَصْلًا. قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْوَحْدَانِيَّةُ تَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ إِثْبَاتٍ أَمْ هِيَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُفِيدُ النَّفْيَ؟ قُلْنَا: قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْمَقْصِدُ مِنَ الْوَاحِدِ انْتِفَاءُ مَا عَدَا الْمَوْجُودَ الْفَرْدَ، وَرُبَّمَا يَمِيلُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى هَذَا. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: كَوْنُهُ وَاحِدًا ثَابِتٌ لَا لِلنَّفْسِ وَلَا لِلْمَعْنَى، وَطَرْدُ ذَلِكَ شَاهِدًا وَغَائِبًا وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَنَّ الِاتِّحَادَ صِفَةُ إِثْبَاتٍ ثُمَّ هِيَ صِفَةُ النَّفْسِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَإِنْ قِيلَ: أَوْضَحُوا مَعْنَى التَّوْحِيدِ، قِيلَ: مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ إِطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ اعْتِقَادُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْحُكْمُ بِذَلِكَ. وَأَبُو الْمَعَالِي كَثِيرًا مَا يَقُولُ: قَالَ الْمُوَحِّدُونَ؛ وَيَعْنِي بِهِمْ هَؤُلَاءِ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ ابْنُ التُّومَرْتِ فِي لَفْظِ الْمُوَحِّدِينَ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي مُرْشِدَتِهِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةَ كَمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي وَنَحْوَهُ، لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَعَلَى الْأَحْكَامِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالنَّجَّارِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية