الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
قُلْتُ: لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: "الْمَائِيَّةُ تَقْتَضِي الْجِنْسَ" إِنَّمَا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يُجَانِسُهُ أَيْ يُمَاثِلُهُ فِي حَقِيقَتِهِ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ مَائِيَّةً وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي تَخُصُّهُ وَيَمْتَازُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَائِيَّةُ مِنْ جِنْسِ الْمَائِيَّاتِ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ الذَّاتِ لَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ الذَّوَاتِ، وَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِثُبُوتِ قَدْرِ مَا يَتَّفِقَانِ فِيهِ، فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَلَفْظُ الْجِنْسِ فِيهِ عِدَّةُ اصْطِلَاحَاتٍ، فَإِنْ فُسِّرَ بِمَا يُوجِبُ مَثَلًا لِلَّهِ فَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ، وَإِنَّ فُسِّرَ بِالْحَدِّ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ "الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ" وَ "الْمُشَكِّكَةِ"، كَمَا فِي اسْمِ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ عَنِ الْمَلَاحِدَةِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ، وَنَفْيُ ذَلِكَ تَعْطِيلٌ مَحْضٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (الْكَيْفِيَّةُ تَقْتَضِي الْكَمِّيَّةَ وَالشَّكْلَ )، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْكَيْفِيَّةَ إِنَّمَا أَرَادُوا الصِّفَاتِ الَّتِي تَخُصُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا لِلْكَمِّيَّةِ فَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُنَازِعُونَ أَنَّهُ مَا مِنْ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ إِلَّا وَلَهُ قَدْرٌ يَخُصُّهُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِمْ لَا يَنْفُونَ ثُبُوتَ الْكَيْفِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ بَلْ يَقُولُونَ: لَا نَعْلَمُ الْكَيْفِيَّةَ، وَيَقُولُونَ: لَا تَجْرِي مَاهِيَّتُهُ فِي مَقَالٍ، وَلَا تَخْطُرُ كَيْفِيَّتُهُ بِبَالٍ؛ بَلْ كَمَا قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْفَرَجِ الْمُقَدِّسِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالْأَئِمَّةِ كَمَا قَالُوا: (لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ )، كَمَا قَالَ مَالِكٌ: (الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ ). وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ وَيَقُولُ: (لَا مَاهِيَّةَ لَهُ فَتَجْرِي فِي مَقَالٍ، وَلَا كَيْفَ فَيَخْطُرُ بِبَالٍ )، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية