الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
فَصْلٌ التَّخَيُّلُ وَالْوَهْمُ الصَّحِيحُ، لَا يَتَصَوَّرُ الْمَوْجُودَ مَعْدُومًا. فَعُلِمَ أَنَّ إِنْكَارَ الْفِطْرَةِ لِذَلِكَ وَرَدَّ التَّخَيُّلِ وَالْوَهْمِ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ، كَالتَّنَاقُضِ الَّذِي فِيهِ; لَا لِعَظَمَتِهِ فِي الْوُجُودِ. وَالَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُطَبَاءِ وَالْقُصَّاصِ إِذَا أَخَذُوا يَصِفُونَ الرَّبَّ وَيُعَظِّمُونَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ أَخَذَتِ الْعَامَّةُ -الَّذِينَ لَا يَفْهَمُونَ حَقِيقَةَ مَا يَقُولُونَ وَإِنَّمَا يَسْتَشْعِرُونَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَنَّ هَذَا تَعْظِيمٌ لِلرَّبِّ- يُسَبِّحُونَهُ وَيُمَجِّدُونَهُ، فَلَوْلَا أَنَّهُمْ تَخَيَّلُوا وَتَوَهَّمُوا أَنَّ هَذَا السَّلْبَ مُتَضَمِّنٌ لِوُجُودِ عَظِيمٍ كَبِيرٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُنْكِرُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ; بَلْ هُمْ يَتَخَيَّلُونَ الْمَوْجُودَ الْعَظِيمَ فِي الْجُمْلَةِ; وَلَكِنْ إِذَا فَهِمُوا حَقِيقَةَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ، أَنْكَرُوهُ حِينَئِذٍ وَرَدَّتْهُ فِطْرَتُهُمْ; وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّلْبَ وَالْعَدَمَ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ أَصْلًا وَلَا تَعْظِيمٌ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَعْظِيمَ فِيهَا عِنْدَ مَنْ تَوَهَّمَهَا. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ يُعَظَّمُونَ الرَّبَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا فِي آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ أَعْظَمُ مَا نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْظِيمِ الرَّبِّ وَتَمْجِيدِهِ يَوْمَ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزُّمَرُ: 67] كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى عِظَمِ قَدْرِ الرَّبِّ، الَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ، وَهَذَا وَصْفٌ لِأُمُورٍ وُجُودِيَّةٍ تَقْتَضِي عَظَمَةَ الْقَدْرِ; بِخِلَافِ السُّلُوبِ الْمَحْضَةِ، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، الَّذِي فِي الصَّحِيحِ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ، وَقَبَضَ كَفَّيْهِ أَوْ قَالَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهُمَا وَيَبْسُطُهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ وَيَمِيلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ حَتَّى إِنِّي لِأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَمْ» وَمِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ». وَفِي لَفْظٍ «إِنَّهَا لَتَغِيبَ فِي يَدِهِ حَتَّى لَا يُرَى طَرَفَاهَا».

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية