الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
قَالُوا: "الثَّوَابُ عَرَضٌ. فَكَيْفَ تَقُولُ؟ وَالْكَلَامُ عِنْدَكَ عَرَضٌ؟! فَكَيْفَ يَجِيءُ؟! فَرَجْعُ الْكَلَامِ يَرُدُّكَ، فَأَنْتَ احْتَجَجْتَ وَأَنْتَ [أُخِذْتَ] بِمَا بِهِ اسْتَدْلَلْتَ". قَالَ: "وَلِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَقْلِبَ الْعَرَضَ جِسْمًا، وَالْجِسْمَ عَرَضًا، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ ثَوَابِهِ شَخْصٌ، كَوِلْدَانِ الْجَنَّةِ، وَحُورِهَا، فَيَجِيءُ ذَلِكَ الْوَلِيدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ". قُلْتُ: ثُمَّ إِنِّي وَجَدْتُ هَذَا التَّمْثِيلَ الَّذِي ذَكَرْتَهُ، مِنْ تَمْثِيلِ مَجِيءِ الْقُرْآنِ فِي صُورَةِ مَجِيءِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فِي صُورَةٍ، قَدْ ذَكَرُوهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ. كَمَا ذَكَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي نَقْضِهِ عَلَى الْمَرِيسِيِّ وَمُتَّبِعِيهِ. قَالَ -فِي كَلَامِهِ عَلَيْهِ فِي النُّزُولِ: "فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الْمُعَارِضِ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّزُولِ حِكَايَةٌ حَكَاهَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، لَعَلَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: نُزُولُهُ أَمْرُهُ، وَسُلْطَانُهُ، وَمَلَائِكَتُهُ، وَرَحْمَتُهُ، وَمَا [أَشْبَهَهَا]". فَتَكَلَّمَ عَلَى إِبْطَالِ ذَلِكَ بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ. إِلَى أَنْ قَالَ: "ثُمَّ قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ مَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ أَنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ كَمَا يَرَوْنَ: أَنَّ الْقُرْآنَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا مُشَفَّعًا، وَمَاحِلًا مُصَدِّقًا. فَقَالُوا مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ ثَوَابُهُ، فَإِنْ جَازَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي الْقُرْآنِ، جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ". قَالَ: "فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَقَدْ قِسْتَ بِغَيْرِ أَصْلٍ وَلَا مِثَالٍ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ، وَالْكَلَامُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا قَائِمًا حَتَّى تُقِيمَهُ الْأَلْسُنُ وَيَسْتَبِينَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَجِيءِ، وَالتَّحَرُّكِ، وَالنُّزُولِ بِغَيْرِ مُنَزِّلٍ، وَلَا مُحَرِّكٍ إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِهِ وَيُنَزَّلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى حَيٌّ قَيُّومٌ، مَلِكٌ عَظِيمٌ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فِي عِزِّهِ وَبَهَائِهِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ، وَيَنْزِلُ بِلَا مُنَزِّلٍ، وَيَرْتَفِعُ بِلَا رَافِعٍ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِغَيْرِ اسْتِعَانَةٍ بِأَحَدٍ، وَلَا حَاجَةٍ فِيمَا يَفْعَلُ إِلَى أَحَدٍ، فَلَا يُقَاسُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، بِالْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمٌ حَتَّى تُقِيمَهُ الْأَلْسُنُ، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا قُدْرَةٌ، وَلَا يَسْتَبِينُ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ. أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ نُزُولُهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ لَا تَنْزِلُ إِلَّا فِي ثُلْثِ اللَّيْلِ؟! ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا! وَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ -فِي دَعْوَاكَ- لَا يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ حَيْثُ مُسْتَقَرُّ الْعِبَادِ، مِمَّنْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ وَيُحِبَّ وَيُعْطِيَ، فَمَا بَالُهَا تَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَا تَجُوُزُهَا؟ وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ تَبْقَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ ثُلْثِ اللَّيْلِ إِلَى انْفِجَارِ الْفَجْرِ ثُمَّ [تَرْجِعُ] مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ بِزَعْمِكَ؟ وَمَا بَالُهُ إِذِ اللَّهُ بِزَعْمِكَ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا اسْتَرْحَمَهُ عِبَادُهُ وَاسْتَغْفَرُوهُ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ بَعَّدَ عَنْهُمْ رَحْمَتَهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَلَا يُغَشِّيهِمْ إِيَّاهَا وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْأَرْضِ بِزَعْمِكَ، إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ نُزُولَهُ تَقْرِيبُ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، كَقَوْلِهِ الْآخَرِ: "مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا" فَقُلْتُ: هَذَا تَقَرُّبٌ بِالرَّحْمَةِ. فَفِي دَعْوَاكَ فِي [تَفْسِيرِ النُّزُولِ]: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَبَاعَدَ هُوَ عَنْهُ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ اقْتِرَابًا تَبَاعَدَ هُوَ بِرَحْمَتِهِ عَنْهُمْ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِزَعْمِكَ؟!. لَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى ضَلَالٍ، وَالْحَدِيثُ نَفْسُهُ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَيُكَذِّبُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْيَظُ حَدِيثٍ لِلْجَهْمِيَّةِ، وَأَنْقَضُ شَيْءٍ لِدَعْوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا مَنْ هُوَ تَحْتَهَا فِي الْأَرْضِ؟! وَجَمِيعُ الْأَمَاكِنِ مِنْهَا، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ نَاقِضٌ لِدَعْوَاهُمْ وَقَاطِعٌ لِحُجَجِهِمْ".

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية