الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ السُّجُودَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ هِيَ تُورِثُ الْقُرْبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ كَمَا قَالَ: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آلِ عِمْرَانَ: 133] ، وَالْمَغْفِرَةُ وَالْجَنَّةُ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَكِنَّ الْمُسَارَعَةَ إِلَيْهَا هُوَ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ [الْمُوجِبَةِ] لِذَلِكَ، (فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالِاقْتِرَابِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَمْرٌ بِالْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ). فَكَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَا يَرُدُّ عَلَى الْمُنَازِعِ، وَيَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ضَلَالًا. يُقَرِّرُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ بِانْتِهَاءِ الْعِبَادِ إِلَيْهِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الِانْشِقَاقِ: 6] ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَادِحٌ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ مُلَاقِيهِ وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الْأَنْعَامِ: 38] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الْمَائِدَةِ: 48] ، وَقَالَ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [الْعَلَقِ: 6-8] ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الْغَاشِيَةِ: 25-26] وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الْأَنْعَامِ:60-62] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ [الْأَنْعَامِ:94] ، وَقَالَ: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يُونُسَ: 46] ، وَقَالَ: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غَافِرٍ: 77] ، وَقَالَ: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الْأَنْعَامِ:27-31]. فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَقِفُونَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ خَاسِرُونَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السَّجْدَةِ: 10-12]. فَذَكَرَ كُفْرَهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ يُرْجَعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ يُنَكِّسُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَقَالَ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [الْبَقَرَةِ: 45-46] ، وَقَالَ: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الْكَهْفِ: 110] ، وَقَالَ: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الْأَحْزَابِ: 44] ، وَقَالَ: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [الْبَقَرَةِ: 156-157] ، وَقَالَ: يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [الْقِيَامَةِ: 10-13] ، وَقَالَ: إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [الْقِيَامَةِ: 30] ، وَقَالَ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الْفَجْرِ: 27-30] ، وَقَالَ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يُونُسَ: 13-15] ، وَقَالَ: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الْأَنْعَامِ:51]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَعْرِفُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَعْرِفُ رَبِّ، فَيَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَسْتُرُهَا عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: وَأَمَّا الْكَافِرُ، أَوِ الْمُنَافِقُ، فَيُنَادَى عَلَيْهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ". وَقَدْ ذَكَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- السَّعْيَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصَّافَّاتِ: 84] ، فَقَالَ الْخَلِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصَّافَّاتِ: 99] ، وَقَالَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طَه: 84] ، وَقَوْلَ الْمَسِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 52] ، وَفِي الصَّفِّ، وَقَالَ تَعَالَى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذَّارِيَاتِ: 50] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزُّمَرِ: 54] ، وَقَالَ: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النُّورِ: 31] ، وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التَّحْرِيمِ: 8] ، وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا [الْمُمْتَحِنَةِ: 4] ، وَقَالَ: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشُّورَى: 10] ، وَقَالَ تَعَالَى: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشُّورَى: 13] ، وَقَالَ: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرَّعْدِ: 30]. وَقَوْلُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي [عَلَّمَهُ] الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ [وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ] لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ". وَفِي حَدِيثِ الْمُبَاهَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا، مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟" وَالسُّجُودُ هُوَ نِهَايَةُ خُضُوعِ الْعَبْدِ وَتَوَاضُعِهِ، وَالْعَبْدُ كُلَّمَا تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللَّهُ، (كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ". فَالْمُتَوَاضِعُ لِلَّهِ الَّذِي ذَلَّ وَاسْتَكَانَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِخَلْقِهِ يَكُونُ قَلْبُهُ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ، فَيَرْفَعُهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ هَابِطٌ نَازِلٌ، وَفِي الْبَاطِنِ -وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ- صَاعِدٌ عَالٍ. كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ عُمْرَ مَوْقُوفًا- قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَفِي رَأْسِهِ حَكَمَةٌ فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قِيلَ لَهُ: انْتَكِسْ نَكَسَكَ اللَّهُ، وَإِنْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ قِيلَ لَهُ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ". فَالْمُتَكَبِّرُ الَّذِي يَطْلُبُ الِاسْتِعْلَاءَ يُعَاقَبُ بِأَنْ يَخْفِضَهُ اللَّهُ وَيُنَكِّسَهُ، وَالْمُتَوَاضِعُ الَّذِي يَتَوَاضَعُ لِلَّهِ فَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ لِلَّهِ يُثِيبُهُ اللَّهُ بِأَنْ يُنْعِشَهُ وَيَرْفَعَهُ. وَكُلُّ هَذِهِ أُمُورٌ [حَقِيقِيَّةٌ] وَسَنَبْسُطُ الْكَلَامَ -[إِنْ شَاءَ] اللَّهُ- عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى نُصُوصِ الْعُلُوِّ وَمَا يَتْبَعُهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية