الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُشَابِهٌ لَهُ. قِيلَ: عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا قُرْبٌ فِي الصِّفَاتِ، وَنَحْنُ قُلْنَا: التَّقَرُّبُ بِالْأَفْعَالِ. الثَّانِي: أَنَّ الْقُرْبَ هَاهُنَا بِالْجِهَةِ، أَيْ هَذَا مَكَانُهُ وَمَكَانَتُهُ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، كَمَا بَسَطْنَا هَذَا الْكَلَامَ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا لِلْأَجْسَامِ. قِيلَ: وَجَمِيعُ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ، مِثْلَ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْكَلَامِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْغَضَبِ، وَالرِّضَا، وَالسُّخْطِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالْفِعْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَا يَعْقِلُ إِلَّا لِلْأَجْسَامِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ. فَنَفْيُ إِحْدَى الصِّفَاتِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ كَنَفْيِ سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَيُقَالُ: هُنَا جَوَابٌ مُرَكَّبٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إِمَّا أَنْ تَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَا هُوَ جِسْمٌ، أَوْ لَا تَكُونُ. فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ بِالْجِسْمِ بَاطِلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَصِحَّ نَفْيُ الْجِسْمِ مُطْلَقًا، بَلْ يُنْفَى الْبَاطِلُ. وَإِنَّ كَانَ الثَّانِي كَانَ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْأَجْسَامِ. قَوْلًا بَاطِلًا. فَهَذَا الْكَلَامُ يُبَيِّنُ بُطْلَانَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ، لَا بِعَيْنِهَا، وَأَيُّهُمَا بَطَلَتْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ الْعَقْلِيَّةُ الْقِيَاسِيَّةُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُوجِبُ تَأْوِيلَ النُّصُوصِ. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ: "فَإِنَّ هَذَا الْقُرْبَ لَيْسَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، فَأَمَّا الْقُرْبُ بِالْجِهَةِ: فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ السُّجُودِ" يُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ تَضَمَّنَ إِثْبَاتَ الْقُرْبِ (الْأَوَّلِ وَنَفْيَ الثَّانِي، وَأَنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ مُتَضَادَّانِ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتَهُ بَيَانُ تَنَاقُضِهِمَا، فَإِنَّ كَوْنَ الْقُرْبِ) بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ بِالْجِهَةِ، إِذِ الطَّاعَةُ هِيَ فِعْلُ الْمُتَقَرِّبِ، وَالْجِهَةُ مَكَانُ فِعْلِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَكَانِ. فَإِنْ يُثْبِتْ قُرْبًا يُنَافِي قُرْبَ الْجِهَةِ كَانَ [كَلَامُهُ] بَاطِلًا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرْبِ مَا يُنَافِي قُرْبَ الْجِهَةِ، إِذِ الْقُرْبُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجِهَةِ. الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُكَ: "الْقُرْبُ بِالْجِهَةِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ السُّجُودِ". يُقَالُ: تَدَّعِي أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَى اللَّهِ؟ أَوْ لَا يَحْصُلُ إِلَى اللَّهِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ؟. فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى هُوَ الثَّانِي فَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ لَا تَأْوِيلٌ [فَإِنَّكَ] إِذَا ادَّعَيْتَ أَنَّ الْقُرْبَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْجِهَةِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُتَقَرِّبًا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَتَسْمِيَةُ الْعَمَلِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ قُرْبٌ إِلَى شَيْءٍ تَقَرُّبًا لَا يَكُونُ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَيَكُونُ قَلْبًا لِلُّغَةِ وَتَبْدِيلًا لَهَا. وَإِنِ [ادَّعَى] أَنَّ الْقُرْبَ [يَحْصُلُ] إِلَى غَيْرِ اللَّهِ بِالْجِهَةِ، كَانَ قَوْلُهُ: "إِنَّ الْقُرْبَ بِالْجِهَةِ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ السُّجُودِ": إِطْلَاقًا بَاطِلًا، (بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَحْصُلُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ. وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ السُّجُودِ مُقَرِّبًا بِالْجِهَةِ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُسَمَّى مَا لَيْسَ فِيهِ تَقَرُّبٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ تَقَرُّبًا، وَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ يَبْطُلُ. بَلْ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ بَاطِلٌ) بِالضَّرُورَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية