الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
فَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ مَا حَمِدَهُ اللَّهُ وَيَذُمَّ مَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا الْمَذَاهِبُ وَالْمَقَالَاتُ وَالطَّوَائِفُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُضَافَةً إِلَى إِمَامِ الْمَذْهَبِ كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْأَزَارِقَةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، أَوْ كَانَتْ مُضَافَةً إِلَى قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ لَهُمْ، كَمَا يُقَالُ الْحَرُورِيَّةُ لِاجْتِمَاعِهِمْ بِحَرُورَاءَ، وَيُقَالُ لَهُمُ الْخَوَارِجُ وَالْمَارِقَةُ لِمُرُوقِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَكَمَا يُقَالُ الرَّافِضَةُ لِرَفْضِهِمْ زَيْدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ لِمُوَالَاتِهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَكَمَا يُقَالُ الْمُعْتَزِلَةُ لِاعْتِزَالِهِمْ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَنَحْوِهِمْ، وَكَمَا يُقَالُ الْمُجَسِّمَةُ لِاتِّبَاعِهِمْ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ جِسْمٌ، وَكَمَا يُقَالُ مُعَطِّلَةٌ لِتَعْطِيلِهِمُ الصِّفَاتِ إِذِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ تَعْطِيلَ الذَّاتِ، وَكَمَا يُقَالُ الزَّنَادِقَةُ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ هِيَ بِنَفْسِهَا لَا يُعَلَّقُ بِهَا حَمْدٌ وَلَا ذَمٌّ إِلَّا بِمَا حَمِدَهُ الْقُرْآنُ وَذَمَّهُ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَمْدُهُ زَيْنٌ وَذَمُّهُ شَيْنٌ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ لِلتَّعْرِيفِ كَأَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُوَالِيَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَوْ يُعَادِيَهُ مُطْلَقًا، إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُسَمَّى بِهَا كَذَلِكَ فِي الشَّرْعِ كَالْمُنَافِقِ وَالْمُلْحِدِ، فَإِنَّ هَذَا مِنِ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ أَوْ مِنَ التَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ، بَلْ يُوَالِي مِنْ ذَلِكَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُعَادِي مِنْ ذَلِكَ مَا ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَالْجَهْمِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا جَهْمًا فِيمَا ابْتَدَعَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَا ابْتَدَعَهُ ضَلَالَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ [كَلَامُ] الْجَهْمِ كُلُّهُ مُنْكَرًا بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ؛ إِذْ مَا لَمْ يَبْتَدِعْهُ الْجَهْمُ لَا يُضِيفُهُ السَّلَفُ إِلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَأَمَّا الْكَرَّامِيَّةُ وَالْكُلَّابِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِأَئِمَّتِهِمْ فِيمَا رَتَّبُوهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَفِي مَذَاهِبِهِمْ مَا هُوَ صَوَابٌ وَخَطَأٌ، لَكِنْ لِهَؤُلَاءِ مَقَالَاتٌ ابْتَدَعُوهَا لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهَا، فَتِلْكَ الْمَذَاهِبُ تُضَافُ إِلَى صَاحِبِهَا، وَتُذَمُّ مُطْلَقًا، كَمَا يُذَمُّ مَا ابْتَدَعَهُ ابْنُ كَرَّامٍ مِنْ جَعْلِ الْإِيمَانِ هُوَ مُجَرَّدُ قَوْلِ اللِّسَانِ بِدُونِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، وَيُذَمُّ مَا ابْتَدَعَهُ ابْنُ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيُّ مِنَ الْكَلَامِ فِي الصِّفَاتِ، وَالْكَلَامِ الَّذِي وَافَقَ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَوَافَقَ فِيهِ الْجَهْمِيَّةَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَفْظُ الْمُجَسِّمَةِ لَا يُوجَدُ بِهِ ذِكْرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لَا بِمَدْحٍ وَلَا ذَمٍّ، وَلَا يُوجَدُ أَيْضًا ذَمُّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْتَهُ أَنْتَ تَجْسِيمًا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَأَمَّا الْمَذْهَبُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ السَّلَفُ مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَهُ فِي الْإِسْلَامِ [الْجَعْدُ وَ]ذَمُّهُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَأَئِمَّتِهِمْ مُتَوَاتِرٌ، وَدَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى بُطْلَانِ مَعَانِيهِ وَذَمِّهَا لَا يُحْصَى؛ فَلَا يَسْتَوِي مَنْ ذَمَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَا يُوجَدُ ذَمُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ أَنَّ ذَمَّ الرَّافِضَةِ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَثِيرٌ جِدًّا. وَدَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ذَمِّ خَصَائِصِهَا وَبُطْلَانِهَا كَثِيرٌ جِدًّا. وَقَدْ عَلِمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَوَّلَ مَنِ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ ابْتَدَعَ التَّجَهُّمَ كَانَ كَذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَالْمُتَكَلِّمُونَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْجِسْمِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فِي عَهْدِ السَّلَفِ أَئِمَّةُ النُّفَاةِ مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَذَوِيهِ وَأَئِمَّةُ الْإِثْبَاتِ مِنْهُمْ هُمْ مُتَكَلِّمُو الرَّافِضَةِ كَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَذَوِيهِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية