الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما القسم الخامس وهو شركة الجاه وتسمى شركة الوجوه فهو أن يكون الرجل ذا جاه فيقولان على جاهنا ونشتري متاعا والربح بيننا فهذه شركة الجاه وتسمى شركة الوجوه ، ومن أصحابنا من جعل شركة الجاه من النوع الأول إذا كان الجاه لأحدهما ، وشركة الوجوه إذا كان الجاه لهما ، وهذا خلاف في العبارة والحكم فيها سواء وهي شركة باطلة ، وقال أبو حنيفة : هي شركة جائزة استدلالا بأنها نوع شركة فوجب أن يكون منها ما يصح كشركة العنان .

                                                                                                                                            [ ص: 478 ] ودليلنا أنها شركة في غير مال فوجب أن تكون باطلة كالشركة في الاصطياد والاحتشاش على أنها مبنية على شركة الأبدان وسنذكر الحجاج فيها ، وقد مضى الجواب عن القياس على شركة العنان ، فإذا ثبت أن شركة الجاه لا تصح فلا يخلو حال مشتري المتاع من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن يشتري لنفسه .

                                                                                                                                            والثاني : أن يشتري لصاحبه .

                                                                                                                                            والثالث : أن يشتريه بينهما فإن اشتراه بنفسه صح شراؤه وصار ملكا له إن ربح فالربح له وإن خسر فالخسران عليه ولا شيء للآخر في ربحه ولا شيء عليه في خسرانه ، وإن اشتراه كله لصاحبه لم يصح لأنه إنما أذن له في شراء نصفه ويكون الشراء لازما له في النصف الزائد على القدر الذي أذن فيه ، فأما النصف المأذون فيه فيلزم الأمر على شروطه التي نذكرها ولا يخرج على تفريق الصفقة : لأن الصفقة لم تختلف في الصحة والفساد ، وإن اشتراه بينهما فهو في النصف مشتر لنفسه فلزمه ذلك وفي النصف الآخر في حكم المشتري لموكله فيصح ذلك بثلاثة شروط : أحدها : أن يكون قد وصف له النوع الذي يتجر فيه سواء كان نوعا أو أنواعا لأن الإذن في شراء ما لم يوصف باطل .

                                                                                                                                            والثاني : أن يقدر له المال الذي يشتري به ؛ لأن ما لم يقدره فلا نهاية له بخلاف شركة المال والمضاربة المقدرتان بالمال فلم يحتج إلى تقديرهما بالذكر .

                                                                                                                                            والثالث : أن ينوي في عقد الشراء أنه له ولصاحبه : لأن ملك المبيع لا ينتقل عن المشتري إلى موكله إلا ببينة سواء كان المأذون في ابتياعه معينا أو غير معين ، وقال أبو حنيفة : إن كان غير معين لم يصح الشراء للموكل إلا ببينة ، وإن كان معينا كقوله اشتر هذا العبد صح الشراء للموكل بغير بينة وهذا فرق يوجب القياس للتسوية بينهما إلا أنه اشترى لغير العاقد فاقتضى أن يكون من شروطه النية ، أصله ما كان غير معين ، وأما ما يشتريه المضارب والشريك فيحتاج إلى نية في أنه في حال المضاربة والشركة فإذا صح الشراء لهما على الشروط المعتبرة كان الربح بينهما نصفين ، والخسران إن كان عليهما نصفين ، ثم للمشتري على شريكه نصف أجرة مثله فيما اشترى وباع لأنه عمل في ماله ومال غيره ، وكذلك كل شركة فاسدة إذا حصل الربح فيها بين الشريكين على قدر المالين وكان العمل لهما رجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف أجرة مثله ، فإن تساويا تقاصا وإن تفاضلا ترادا الفضل وإن كان العمل لأحدهما كان للعامل على الآخر نصف أجرة مثله .

                                                                                                                                            [ ص: 479 ] وقال أبو حنيفة : ليس لواحد من الشريكين على صاحبه أجرة في عمله لأن العمل في الشركة لا يقابل شيئا من الربح فلم يكن لوجوده تأثير وهذا خطأ : لأن حكم الشركة إذا زال بفسادها غلب فيها حكم الوكالة على عوض فاسد وذلك موجب لأجرة المثل .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية