الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما الثالث من أقسامه - وهو مسألة الكتاب - فصورته أن يكون المبيع عبدين بمائة درهم فيفلس المشتري بعد أن قبض البائع نصف المائة ومات أحد العبدين ، قال الشافعي : كان للبائع أن يرجع بالعبد الباقي بما بقي له من نصف الثمن إذا كانت قيمة العبدين سواء ، ويكون المقبوض من الثمن في مقابلة التالف من العبدين ، فلو كان الباقي بأكثرهما ثمنا استرجع منه ما قابل الباقي من الثمن ورد الفضل على الغرماء ، ولو كان الباقي أقلهما ثمنا استرجعه بحسابه من الثمن وضرب مع الغرماء بباقيه فهذا على ما نص عليه في [ ص: 295 ] الفلس ، ونص الشافعي في الزوجة إذا طلقت قبل الدخول - وقد تلف بعض الصداق في يدها - على قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يرجع بما استحقه من نصف الصداق بما بقي منه كما قال في المفلس .

                                                                                                                                            والثاني : أنه يرجع بنصف الباقي وبنصف قيمة التالف - بخلاف ما قاله في المفلس - فاختلف أصحابنا فكان بعضهم يخرج مسألة المفلس على قولين كالصداق :

                                                                                                                                            أحدهما : يأخذ نصف العبد الباقي بنصف ما بقي له من الثمن وذلك خمسة وعشرون درهما ويضرب بما بقي منه وهو خمسة وعشرون درهما مع الغرماء ، ووجهه أن الخمسين المقبوضة هي من ثمن العبدين المبيعين جميعا ، بدليل أنه لو كان العبدان باقيين وقد قبض نصف الثمن لم يجز أن يرجع بأحد العبدين ويجعل المقبوض من ثمن أحدهما ، بل يرجع بنصف العبدين ويكون المقبوض من ثمنهما ، فإذا كان المقبوض - بدليل ما ذكرنا - من ثمنهما معا صار نصف الخمسين المقبوضة من ثمن العبد التالف ونصفها من ثمن العبد الباقي ونصف الخمسين الباقية من ثمن العبد التالف ونصفها من ثمن الباقي فوجب أن يرجع بنصف العبد الباقي لبقاء نصف ثمنه ولا يرجع بالنصف الباقي لقبض ثمنه .

                                                                                                                                            والقول الثاني : - وهو المنصوص عليه هاهنا - أن الباقي بجميع العبد الباقي بما بقي له من نصف الثمن ، ويكون نصف الثمن المقبوض من ثمن العبد التالف ، ووجه ذلك شيئان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه لما جاز أن يزيل جميع الثمن من الذمة إذا كان الجميع باقيا إلى جميع العين إذا كان جميعها باقيا جاز أن ينقل بعض الثمن من الذمة إذا كان بعضه باقيا إلى بعض العين إذا كان بعضها باقيا ليكون في الحالين واصلا إلى حقه بعين ماله ولا يمتنع أن يصير المقبوض من ثمن الجملة متحيزا في بعضها ، كما لو اشترى عبدين بمائة درهم فقبضهما ودفع من الثمن خمسين درهما فمات أحد العبدين ووجد بالباقي عيبا فرده صارت الخمسون المقبوضة ثمنا للتالف فلا يرجع بها ، والخمسون الباقية ثمنا للمردود غير مطالب بها ، وكذلك الفلس .

                                                                                                                                            والثاني : أنه لما كان للبائع أن يتوصل إلى حقه باسترجاع العين كما كان للمرتهن أن يتوصل إلى حقه من الرهن ثم كان لو ارتهن عبدين بمائة فقبض منها تسعين ومات أحدهما كان العبد الباقي رهنا بالعشرة الباقية ، كذلك البائع يأخذ ما بقي من العين بما بقي من الثمن وهذه دلالة الشافعي ، فاعترض المزني عليها وقال : ليس الرهن من البيع بسبيل ، لأن جميع الرهن وكل جزء منه مرهون بالحق وبكل جزء منه ، وليس جميع المبيع وكل جزء منه مبيعا بجميع الثمن وبكل جزء منه .

                                                                                                                                            وهذا الذي اعترض به المزني لا يقدح في دلالة الشافعي ، لأن [ ص: 296 ] افتراقهما من الوجه الذي ذكره الشافعي ؛ لأن للبائع أن يمنع الغرماء من المبيع ليتوصل إلى حقه منه ويزول عنه ضرر العجز به ، فهذا توجيه القولين على طريقة من خرج المسألة على قولين ، وقال آخرون من أصحابنا : إن المسألة على قول واحد في الفلس : أنه يأخذ العبد الباقي بما بقي من الثمن ، وإن كان الصداق على قولين ، والفرق بينهما من وجهين أحدهما : أن رجوع البائع في الفلس أقوى من رجوع الزوج في الصداق ، لأن للبائع أن يرجع بالمبيع زائدا ، وليس للزوج أن يرجع بالصداق زائدا ، فجاز للبائع أن يرجع بجميع ما بقي لقوة سببه ، ولم يجز للزوج أن يرجع بجميع حقه من الباقي لضعف سببه ، والفرق الثاني : أن الزوج إذا رجع بنصف الموجود أمكنه الرجوع بقيمة الباقي ؛ لأن ذمة الزوجة مليئة فلا يلحقه ضرر ، والبائع لا يقدر على الوصول إلى حقه إلا باسترجاع ما بقي ؛ لأن ذمة المشتري بالفلس خربة ، ووزان ذلك أن تكون الزوجة مفلسة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية