الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت جواز بيع العلو منفردا دون السفل فلا يخلو حالهما إذا تبايعاه من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            [ ص: 412 ] أحدها : أن يشترطا في العقد أن يبني عليه .

                                                                                                                                            والثاني : أن يشترطا فيه أن لا يبني عليه .

                                                                                                                                            والثالث : أن يطلقا العقد .

                                                                                                                                            فإن اشترطا أن يبني عليه لم يخل حال الشرط من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يشترطا عليه بناء معلوما بصفاته طولا وعرضا ويصفان آلته : آجر وجص ولبن وطين فهذا بيع جائز وشرط لازم ، وليس للمشتري الزيادة عليه ولا للبائع المنع منه لأنها منفعة معلومة .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يشترطا أن يبني ما شاء فهذا شرط باطل للجهالة به ، وبيع باطل لما تضمنه من بطلان الشرط الفاسد ، وخالف الأرض إذا عاوضه على البناء فيها ؛ لأن الأرض تحتمل ما يبنى عليها فلم يحتج إلى تقديره بالشرط ، والعلو لا يحتمل البناء عليه إلا إلى حد مقدر فافترقا .

                                                                                                                                            القسم الثالث : أن يشترطا البناء ولا يشترطا قدره ولا وصفا طوله وعرضه بل يكون الشرط مطلقا ففي الشرط وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : لازم ويبني عليه ما احتمله لأنه قد يتقدر عند أهل الخبرة بالمعتاد المألوف فلم يفتقر إلى تقديره بالشرط .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن الشرط باطل لأن العادات فيه مختلفة وأهل الخبرة لا يتفقون فيه ولأنه مجهول عند المتعاقدين في الحال وهذا أصح الوجهين .

                                                                                                                                            فعلى هذا يكون البيع باطلا ، لفساد ما ضمن من الشرط فهذا الكلام فيه إذا تبايعاه بشرط البناء عليه .

                                                                                                                                            فأما إذا تبايعاه بشرط أن لا يبني عليه فالبيع جائز وليس له البناء عليه وله أن يسكن فيه ويرتفق به كيف شاء بعد أن لا يبني .

                                                                                                                                            فإن قيل : فلم صح هذا العقد وقد تضمنه شرط أوقع عليه حجرا في ملكه فصار كما لو باعه أرضا على أن لا يبني فيها .

                                                                                                                                            قيل الشرط لم يتضمن حجرا فيما ملكه بالعقد ، وإنما تضمن المنع من إحداث ما ليس على ملكه في الحال .

                                                                                                                                            والفرق بين العلو حيث جاز بيعه بشرط أن لا يبني عليه وبين الأرض حيث لم يجز [ ص: 413 ] بيعها بشرط أن لا يبني فيها أن الأرض المبيعة لم يبق للبائع فيها حق ، ولا يدخل عليه بالبنيان فيها ضرر فبطل العقد فيها باشتراط ما لا يتعلق بحقه ، وليس كذلك العلو لأنه متصل بملك البائع وفي البناء عليه إضرار به فصار الشرط فيه متعلقا بحقه فافترقا .

                                                                                                                                            فهذا الكلام فيه إذا شرطا أن لا يبني عليه .

                                                                                                                                            فأما إذا تبايعاه مطلقا بغير شرط فهل للمشتري أن يبني عليه أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يبني عليه ما احتمله ؛ لأنها منفعة من منافع ملكه فلم يجز أن يحجر عليه فيها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو أصح ليس له البناء لما فيه من الإضرار بالسفل وتكون منفعته مقصورة على السكنى والارتفاق بما تضمنه العقد من غير إحداث زيادة .

                                                                                                                                            فأما البيع فعلى الوجهين معا لازم وإنما الوجهان في جواز البناء .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية