الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ومن ) ( شرع في عمل إحياء ولم يتمه ) كحفر الأساس ( أو علم على بقعة بنصب أحجار أو غرز خشبا ) أو جمع ترابا أو خط خطوطا ( فمتحجر ) عليه : أي مانع لغيره منه بما فعله بشرط كونه بقدر كفايته وقادرا على عمارته حالا ( و ) حينئذ ( هو أحق به ) من غيره اختصاصا لا ملكا ، والمراد ثبوت أصل الحقية له إذ لا حق لغيره فيه ولخبر أبي داود { من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به } فإن زاد على كفايته فلغيره إحياء الزائد كما قاله المتولي ، وما سواه باق تحجره فيه ولو شائعا ، وأما ما لا يقدر عليه حالا بل مآلا فلا حق له فيه ، ولما كان إطلاق الأحقية يقتضي الملك المستلزم لصحة البيع وعدم ملك الغير له استدركه بقوله ( لكن الأصح أنه لا يصح بيعه ) ولا هبته كما قاله الماوردي خلافا للدارمي لما مر من أنه غير مالك وحق التملك لا يباع كحق الشفعة . والثاني يصح بيعه وكأنه باع حق الاختصاص ( و ) الأصح ( أنه لو أحياه آخر ملكه ) وإن أثم بذلك كما لو اشترى على سوم أخيه ومحله حيث لم يعرض وإلا ملكه [ ص: 341 ] المحيي قطعا ، ويحرم عليه نقل آلات المتحجر مطلقا ، والثاني لا يملكه لئلا يبطل حق غيره ( ولو طالت مدة التحجر ) عرفا بلا عذر ولم يحي ( قال له السلطان ) أو نائبه ( أحي أو اترك ) ما تحجرته لتضييقه على الناس في حق مشترك فمنع منه ( فإن استمهل ) وأبدى عذرا ( أمهل مدة قريبة ) بحسب رأي الإمام رفقا به ودفعا لضرر غيره ، فإن مضت ولم يفعل شيئا بطل حقه .

                                                                                                                            أما إذا لم يذكر عذرا أو علم منه الإعراض فينزعها منه حالا ولا يمهله كما بحثه السبكي وهو ظاهر .

                                                                                                                            وقضية كلام المصنف أنه لا يبطل حقه بمضي المدة بلا مهلة ، وهو ما بحثه الشيخ أبو حامد والقاضي والمتولي ، وهو الأصح خلافا لما جزم به الإمام من بطلانه بذلك لأن التحجر ذريعة إلى العمارة وهي لا تؤخر إلا بقدر تهيئة أسبابها ، ولهذا لا يصح تحجر فقير لا يقدر على تهيئتها ( ولو أقطعه الإمام مواتا ) يقدر عليه ( صار أحق بإحيائه ) بمجرد الإقطاع : أي مستحقا له دون غيره وصار ( كالمتحجر ) في أحكامه المارة { لأنه صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير رضي الله عنه أرضا من أموال بني النضير } كما رواه الشيخان ، وبحث الزركشي أن ما أقطعه صلى الله عليه وسلم لا يملكه الغير بإحيائه كما لا ينقض حماه ولا ينافي ما تقرر أن المقطع لا يملك قول الماوردي إنه يملك لأنه محمول كما في شرح المهذب على ما إذا أقطعه الأرض تمليكا لرقبتها كما مر ، وأفهم قوله مواتا أنه ليس له إقطاع غيره ولو مندرسا وقد مر ما فيه ، وحاصله أنه إن توقع ظهور ملكه حفظ له وإلا صار ملكا لبيت المال فللإمام إقطاعه ملكا أو ارتفاقا بحسب ما يراه مصلحة .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : فلغيره إحياء الزائد ) قد يسأل عن المراد بكفايته وقد ظهر وفاقا لما ظهر ل مر أن المراد بها ما يفي بغرضه من ذلك الإحياء ، فإن أراد إحياء دار مسكنا فكفايته ما يليق بسكنه وعياله ، وإن أراد إحياء دور متعددة أو قرية يستغلها في مؤناته لكفايته ما يكفيه في مؤناته ولو قرية كاملة وهكذا سم على منهج ( قوله : ولو شائعا ) وإذا أراد غيره إحياء ما زاد هل يجوز له الإقدام عليه من أي محل شاء أو لا بد من القسمة بينه وبين الأولليتميز حق الأول عن غيره أو يخير الأول فيما يريد إحياءه ؟ فيه نظر ، ثم رأيت ما يأتي عن الخادم من التخير ( قوله لو أحياه آخر ملكه ) انظر قوله لو أحياه آخر بأن أتم على ما فعل الأول الذي شرع ولم يتم هل يملكه بذلك ؟ قال م ر : ظاهر كلامهم أنه لا يملكه . أقول : وتصير آلات الأول المبنية منصوبة للثاني [ ص: 341 ] فللأول أن يطلب نزعها وإذا نزعت لا تنقص ملك الثاني المتم فليحرر ا هـ سم على منهج وقول سم لا ينقص ملك الثاني أي إذا كان الباقي بعد نزع آلات الأول لا يصلح مسكنا مثلا ( قوله : نقل آلات المتحجر ) أي فإن نقلها أثم ودخلت في ضمانه ، وقوله قال له : أي وجوبا كما هو ظاهر ا هـ حج ( قوله : فمنع منه ) أي وجوبا كما هو ظاهر ( قوله : أو علم منه الإعراض ) أي صريحا ، وينبغي أن مثل العلم الظن القوي سيما مع دلالة القرائن عليه ( قوله : لأن التحجر ) علة لكلام المصنف ( قوله : لأنه صلى الله عليه وسلم ) كأن وجه الاستدلال القياس وإلا فالكلام في إقطاع الموات وأموال بني النضير ليست منه كما هو ظاهر ا هـ سم على منهج ( قوله لا يملكه الغير ) أي غير المقطع .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : ثبوت أصل الحقية له ) قال الأزهري : أحق في كلام العرب له معنيان : أحدهما : استيعاب الحق كقولك فلان أحق بماله : أي لا حق لغيره فيه ، قال النووي في التحرير : وهو المراد هنا : والثاني الترجيح وإن كان للآخر فيه نصيب كخبر { الأيم أحق بنفسها } ( قوله : فإن زاد على كفايته فلغيره إحياء الزائد إلخ ) عبارة التحفة : أما ما زاد على كفايته فلا حق له فيه [ ص: 341 ] بخلاف ما عداه وإن كان شائعا فينبغي تحجره فيه ( قوله : وقضية كلام المصنف أنه لا يبطل حقه بمضي المدة ) الأصوب بطول المدة ( قوله : لأن التحجر ذريعة إلخ ) تعليل لما جزم به الإمام ( قوله : أن ما أقطعه صلى الله عليه وسلم ) أي : إرفاقا




                                                                                                                            الخدمات العلمية