الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( وشرط الوكيل ) تعيينه إلا في نحو من حج عنى فله كذا فيبطل وكلت أحدكما ، نعم إن وقع غير المعين تبعا لمعين كوكلتك في كذا وكل مسلم صح كما بحثه الشيخ في شرح منهجه ، قال : وعليه العمل ، وما نظر فيه من قياسه على الموكل فيه غير صحيح فسيأتي الفرق بينهما ، ودعوى أنه يحتاط في العاقد ما لا يحتاط في المعقود عليه لا التفات له هنا إذ الغرض الأعظم الإتيان بالمأذون فيه و ( صحة مباشرته التصرف ) الذي وكل فيه ( لنفسه ) وإلا لم يصح توكيله إذ تصرفه لنفسه أقوى منه لغيره ، فإذا لم يملك الأقوى لم يملك دونه بالأولى ( لا صبي و ) لا ( مجنون ) ولا مغمى عليه ولا نائم ولا معتوه لسلب ولايتهم نعم يصح توكيل صبي [ ص: 19 ] في نحو تفرقة زكاة وذبح أضحية وما يأتي ( وكذا المرأة والمحرم ) بضم الميم ( في ) عقد ( النكاح ) إيجابا وقبولا لسلب عبارتهما فيه ولا توكيل المرأة في الرجعة ولا في الاختيار للنكاح إذا أسلم على أكثر من أربع ، ولا في الاختيار للفراق إذا عين للمرأة من يختارها أو يفارقها ، فإن لم يعين لم يصح من الرجل أيضا كما مر ، والخنثى كالمرأة كما قاله ابن المسلم في أحكام الخناثى وذكره في شرح المهذب تفقها . نعم لو بان الخنثى ذكرا بعد تصرفه ذلك بانت صحته ، ويشترط في الوكيل العدالة إذا وكله الولي في نحو بيع مال محجوره ، ويمتنع توكيل المرأة لغير زوجها بغير إذنه على ما قاله الماوردي ، قيل : وكأنه أراد الحرة .

                                                                                                                            أما الأمة إذا أذن سيدها لم يكن لزوجها اعتراض كالإجارة وأولى . قال الأذرعي : الوجه ما اقتضاه كلام الروياني من الصحة إن لم يفوت على الزوج حقا انتهى . والأوجه الصحة مطلقا وإن كان للزوج منعها مما يفوت حقا له لأن هذا أمر خارج ، ويفرق بين ما هنا والإجارة بأن حقها لازم يتعلق بالعين فعارض حق الزوج وهو أولى فأبطله ولا كذلك الوكالة ، وتوكيل مسلم كافرا في استيفاء قود من مسلم ، وهذه مردودة بأن الوكيل لا يستوفيه لنفسه وبأن المصنف إنما جعل صحة مباشرته شرطا لصحة توكله ، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ، وإنما يلزم من عدمه عدمه ، والأول صحيح والثاني في غير محله ، إذ الشرط وهو صحة المباشرة غير موجود هنا رأسا ( لكن الصحيح اعتماد قول صبي ) ولو رقيقا إذا كان مميزا لم يجرب عليه كذب ، وكذا فاسق وكافر كذلك ، بل قال في شرح مسلم : لا أعلم فيه خلافا ( في الإذن في دخول [ ص: 20 ] دار وإيصال هدية ) ولو أمة قالت له أهداني سيدي لك كما اقتضاه كلامهم وإن استشكل فيجوز وطؤها وطلب صاحب وليمة لتسامح السلف في مثل ذلك ، أما غير المأمون بأن جرب كذبه ولو مرة فيما يظهر بحيث جوزنا كذبه لما مر منه فلا يعتمد قطعا ، وما حفته قرينة يعتمد قطعا ، وفي الحقيقة العمل حينئذ بالعلم لا بالخبر ، ويؤخذ منه عدم الفرق هنا بين الصادق وغيره ، وللمميز ونحوه توكيل غيره في ذلك بشرطه الآتي ( والأصح صحة توكيل عبد ) مصدر مضاف للمفعول ، ولو حذفت الياء لكان مضافا للفاعل وهو أوضح ( في قبول نكاح ) وإن لم يأذن له سيده لانتفاء ضرره ، وتعبيره بلكن فيه إشارة إلى استثناء هذين من عكس الضابط وهو من لا تصح مباشرته لنفسه لا يصح توكله ، ويستثنى أيضا صحة توكل سفيه في قبول نكاح بغير إذن وليه وتوكل امرأة في طلاق غيرها ومرتد في تصرف لغيره مع امتناعه لنفسه ، وإنما يصح ذلك إن لم يشرط في بطلان تصرفه لنفسه حجر الحاكم عليه ، وسيأتي في بابه ما فيه ، ورجل في قبول نكاح أخت زوجته مثلا أو خامسة وتحته أربع والموسر في قبول نكاح أمة ، واستثناء بعضهم توكل كافر عن مسلم في شراء مسلم أو طلاق مسلمة غير صحيح ، إذ لو أسلمت زوجته فطلق ثم أسلم في العدة بان نفوذ طلاقه .

                                                                                                                            وأشار المصنف في مسألة طلاق الكافر للمسلمة بأنه يصح طلاقه في الجملة إلى أن المراد صحة مباشرة الوكيل التصرف لنفسه في جنس ما وكل فيه في الجملة لا في عينه ، وحينئذ فيسقط أكثر ما مر من المستثنيات ، وقياسه جريان ذلك في الموكل أيضا كما قدمناه ( ومنعه ) أي توكيل العبد أي من فيه رق ( في الإيجاب ) للنكاح لأنه إذا امتنع عليه تزويج ابنته فبنت غيره أولى ، ويصح توكيل المكاتب في تزويج أمته كما [ ص: 21 ] بحثه الأذرعي إن قلنا : إنه يزوجها ، ومثله المبعض في ذلك بل أولى ، ويجوز توكيل رقيق في نحو بيع أذن سيده ولو بجعل ، ويمتنع توكيله على طفل أو ماله مطلقا كما قاله الماوردي لأنها ولاية

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : من قياسه على الموكل ) أي حيث قيل بالبطلان ( قوله : ودعوى ) أي اعتراضا على الفرق الآتي ( قوله : لا التفات له ) أي لهذا القول ( قوله : ولا معتوه ) [ ص: 19 ] عطفه على المجنون من عطف الخاص على العام لأن العته نوع من الجنون .

                                                                                                                            وفي المختار : المعتوه الناقص العقل ، وقد عته فهو معتوه بين العته ا هـ . وعليه فيمكن حمل المجنون على من زال عقله بالكلية والمعتوه على من عنده أصل العقل لا كماله فيكون مباينا للمجنون

                                                                                                                            ( قوله : ولا في الاختيار ) أي ولا توكيل المرأة في إلخ ( قوله : ويشترط في الوكيل العدالة ) ظاهره وإن وكله في بيع معين من أموال المحجور ولو قيل بصحة توكيل الفاسق في ذلك حيث لم يسلم المال له لم يبعد ، ثم رأيت في حج فيما يأتي قبيل قول المصنف وأحكام العقد تتعلق بالوكيل إلخ ما يؤخذ منه ذلك ( قوله : ويمتنع توكيل المرأة ) فهو مستثنى مما أفاده المتن أن من صح تصرفه لنفسه صح توكيله ( قوله : والأوجه الصحة مطلقا ) فوت أو لا حيث كانت حرة أو أمة فيما تستقل به أو غيره وأذن لها السيد كما مر في توكيل القن

                                                                                                                            ( قوله : والإجارة ) أي حيث قيل فيها بالبطلان إذا فوتت حق الزوج ( قوله : وتوكيل مسلم ) أي ويستثنى أيضا ( قوله : بأن الوكيل ) أي في هذه الصورة ، وقوله لا يستوفيه لنفسه : أي فلم يشمله هذا الشرط فلا حاجة لاستثنائه ا هـ سم على حج ( قوله : والأول صحيح ) هو قوله بأن الوكيل إلخ ، والثاني هو قوله وبأن المصنف إنما إلخ ( قوله : في غير محله ) قد يجاب بأن الثاني مذكور على التنزل ويؤيد ذلك أنه صرح في الأول بأن الوكيل لا يستوفيه لنفسه فقد صرح بأن هذا الشرط لم يوجد هنا أصلا ا هـ سم على حج . لكن الصحيح اعتماد قول الصبي .

                                                                                                                            [ فرع ] قال الخطيب الشربيني : يجوز توكيل الصبي والسفيه ليتصرف بعد بلوغ الصبي ، ورشد السفيه كتوكيل المحرم ليعقد بعد حله ، وفيه نظر ، والوجه وفاقا ل م ر عدم الصحة لأن المحرم فيه الأهلية إلا أنه عرض له مانع بخلافهما فإنه لا أهلية لهما ، وفي الروضة ما يفهم منه عدم الصحة ا هـ سم على منهج ، ومثله على حج ( قوله : لم يجرب عليه كذب ) ولم تقم قرينة على كذبه ا هـ شيخنا زيادي ( قوله : وكافر ) أي ولو بالغا ( قوله : كذلك ) أي لم يجرب عليه كذب ( قوله : لا أعلم فيه ) [ ص: 20 ] أي في الكافر ، وعبارة حج فيهما

                                                                                                                            ( قوله : فيجوز وطؤها ) أي بعد الاستبراء : أي ولو رجعت وكذبت نفسها لاتهامها في حق غيرها وخرج بكذبت نفسها ما لو كذبها السيد فيصدق في ذلك بيمينه ، وعليه فيكون وطء المهدى إليه وطء شبهة ، ولا يجب عليه المهر لأن السيد بدعواه ذلك يدعي زناها ، ولا الحد أيضا للشبهة ، وينبغي أن لا حد عليها أيضا لزعمها أن السيد أهداها له وأن الولد حر لظنه أنها ملكه وتلزمه قيمته لتفويته رقه على السيد بزعمه ، وأما لو وافقها السيد على وطء الشبهة فيجب المهر

                                                                                                                            ( قوله : لتسامح السلف في مثل ذلك ) وليس في معنى من ذكر الببغاء والقرد ونحوهما إذا حصل منهم الإذن ولم يجرب عليهم الكذب لأنهم ليسوا من أهل الإذن أصلا ، بخلاف الصبي فإنه أهل في الجملة ، ولا ينافي هذا ما قدمناه من جعل الببغاء كالصبي لأن ذاك فيما لو احتفت به قرينة لأنها المعول عليها بخلاف ما هنا

                                                                                                                            ( قوله : فلا يعتمد قطعا ) ظاهره وإن مضى عليه سنة فأكثر لم يجرب عليه فيها كذب ، ولو قيل بجواز اعتماد قوله حينئذ لم يبعد بل وإن لم تمض المدة المذكورة ويكون المدار على ما يغلب على الظن صدقه ( قوله : بالعلم ) وعلى هذا فينبغي أن الببغاء ، ونحوها مع القرينة كالصبي لأن التعويل ليس على خبرها بل على القرينة ، وبقي ما لو جهل حال الصبي ، والأقرب فيه أنه لا يعتمد قوله إلا بقرينة تدل على صدقه لأن الأصل عدم قبول خبره ( قوله : بشرطه الآتي ) وهو العجز أو كونه لم تلق به مباشرته ( قوله : فيه إشارة إلى استثناء إلخ ) أي لأن الكلام هنا في الوكيل ( قوله : وإنما يصح ذلك ) أي استثناء المرتد ( قوله : وسيأتي في بابه ) والمعتمد منه أنه لا يشترط فيكون مستثنى ( قوله : إذ لو أسلمت زوجته ) هذا التعليل لا يصلح لرد استثناء توكيل المسلم الكافر ، فالأولى التعليل بأن الكافر يصح طلاقه لزوجته المسلمة فيصح توكيل المسلم له في طلاق زوجته الكافرة ( قوله : أكثر مما مر ) ومنه توكيل المسلم الكافر في شراء مسلم لأنه يصح شراؤه له في الجملة وذلك [ ص: 21 ] كما لو حكم بعتقه عليه

                                                                                                                            ( قوله : إن قلنا إنه يزوجها ) وهو المعتمد ( قوله : وبجعل ) وفي نسخة بعد قوله بإذن سيده ولو بجعل ويمتنع إلخ وما في الأصل هو الصواب ( قوله : مطلقا ) معنى مطلقا بإذن أولا ، وينبغي مراجعة ذلك فإن القياس البطلان بغير إذن سيده ، وقد يستدل على الصحة بصحة قبول الهبة والوصية بغير إذن .

                                                                                                                            ويفرق بأن هنا إتلاف منفعة للغير ا هـ سم على حج . أقول : قول سم والوصية ، يفيد أن قبوله للوصية لا يتوقف على إذن من السيد والمعتمد خلافه ، والفرق بينها وبين الهبة أن القبول في الهبة فوري ، فلو منعناه منه فربما طال الفصل بين الإيجاب وقبول السيد لغيبته مثلا فيفوت المقصود من الهبة ، ولا كذلك الوصية فإن الشرط فيها كون القبول بعد الموت اتصل بالموت أو تراخى عنه



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : فإذا لم يملك الأقوى لم يملك دونه إلخ ) في هذا التعليل نظر لا يخفى ، [ ص: 19 ] وعبارة غيره : لأنه إذا لم يقدر عنه التصرف لنفسه فلغيره أولى ( قوله : ويمتنع توكيل المرأة ) مصدر مضاف لمفعوله ( قوله : لا أعلم فيه ) أي : في اعتماد قول الفاسق والكافر كما يعلم بمراجعة كلام النووي خلافا لما وقع في [ ص: 20 ] حاشية الشيخ ( قوله : غير صحيح ) أي بالنسة لشقه الثاني فقط وكان ينبغي أن يقول غير صحيح في الثاني [ ص: 21 ] قوله : ولو بجعل ) غاية في اشتراط الإذن فإن هناك من يقول إنه إذا كان ثم جعل لا يحتاج للإذن وفي نسخة عقب قوله بإذن سيده ما نصه ولو بجعل مطلقا ; لأنه تكسب ا هـ .

                                                                                                                            وعبارة التحفة عقب مثل هذه النسخة نصها : كذا عبر به شارح وصوابه لا يتوكل بلا إذن عن غيره فيما يلزم ذمته عهدته كبيع ولو بجعل بل فيما لا يلزمها كقبول نكاح ولو بغير إذن انتهت .

                                                                                                                            ونسخ الشارح مختلفة كما ذكرناه فليراجع مختاره




                                                                                                                            الخدمات العلمية