الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            [ ص: 130 ] ( وله ) أي المستعير ( الانتفاع ) بالمعار ( بحسب الإذن ) لرضا المالك به دون غيره لو أعاره دابة ليركبها لمحل كذا ولم يتعرض للركوب في رجوعه جاز له الركوب فيه كما نقلاه وأقراه بخلاف نظيره من [ ص: 129 ] الإجارة ، والفرق بينهما لزوم الرد للمستعير فيتناول الإذن الركوب في عوده عرفا ، ولا كذلك المستأجر فلا رد عليه ، ويؤخذ منه أن المستعير الذي لا يلزمه رد كالمستأجر ويحتمل خلافه ، ولو جاوز المحل المشروط لزمه أجرة مثل الذهاب منه والعود إليه ، وله الرجوع منه راكبا كما صححه السبكي وغيره بناء على أن العارية لا تبطل بالمخالفة وهو ما صححاه ( فإن أعاره لزراعة حنطة ) مثلا ( زرعها ) لإذنه فيها ( ومثلها ) أو دونها بالأولى في الضرر [ ص: 130 ] كالفول والشعير لا أعلى منها كذرة وقطن ( إن لم ينهه ) فإن نهاه عن المثل والأدون امتنعا أيضا اتباعا لنهيه وعلم منه ما صرح به . أصله أنه لو عين نوعا ونهى عن غيره اتبع ( أو ) أعاره أرضا ( لشعير ) يزرعه فيها ( لم يزرع فوقه ) ضررا ( كحنطة ) بل دونه ومثله ، ونكر المصنف الحنطة والشعير وإن عرفهما في المحرر إشارة إلى عدم الفرق في التفصيل المذكور بين أعرتك لزراعة الحنطة أو حنطة ، وترجيح الإسنوي أنه إذا أشار لمعين منهما وأعاره لزراعته لا يجوز الانتقال عنه .

                                                                                                                            قال : ولهذا عرفهما في المحرر فيه نظر ، والصحيح في الإجارة الجواز فكذا هنا ، وصرح في الشعير بما لا يجوز فقط عكس الحنطة تفننا ولدلالة كل على الآخر ففيه نوع من أنواع البديع المشهورة وحيث زرع ما ليس له زرعه فللمالك قلعه مجانا ، فإن مضت مدة لمثلها أجرة لزمه جميع أجرة المثل على المعتمد كما قاله الأذرعي هو الأوجه والزركشي أنه أرجح ، ويفارق نظيره في الإجارة بأن المستأجر استوفى ما كان يملكه مما لا يقبل الرد بزيادة ، والمستعير لا يملك شيئا ، فهو بعدوله عن الجنس كالراد لما أبيح له فلا يسقط بإزائه عنه شيء ( ولو ) ( أطلق ) المعير ( الزراعة ) أي الإذن فيها كأعرتك للزراعة أو لتزرعها ( صح ) عقد الإعارة ( في الأصح ويزرع ما شاء ) لإطلاق اللفظ ومحله كما قاله الأذرعي وأفتى به الوالد رحمه الله إذا كان مما يعتاد زرعه ثم ولو نادرا حملا للإطلاق على الرضا .

                                                                                                                            والثاني لا يصح لتفاوت ضرر المزروع ، وإنما لم يكلف الاقتصار على أخف الأنواع ضررا لأن المطلقات إنما لم تنزل على الأقل ضررا لئلا يؤدي إلى النزاع ، والعقود تصان عن ذلك ، قاله البلقيني جوابا عن قولهما لو قيل لا يزرع إلا أقل الأنواع ضررا لكان مذهبا ، ولو قال له : لتزرع ما شئت زرع ما شاء جزما .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : جاز له الركوب ) أي وجاز له الذهاب والعود في أي طريق أراده إذا تعددت الطرق ولو اختلفت ; لأن سكوت المعير [ ص: 129 ] عن ذلك رضا منه بكلها ( قوله : والفرق بينهما لزوم الرد للمستعير ) أي وإذا لزمه الرد فهي عارية قبله وإن انتهى الاستعمال المأذون فيه ، فلو استعار دابة لحمل متاع معين فوضعه عنها وربطها في الخان مثلا إلى أن يردها إلى مالكها فماتت مثلا ضمنها ( قوله : فلا رد عليه ) ظاهره وإن اطردت العادة بأن المستأجر يردها على مالكها ولو قيل بجواز الركوب في العود اعتمادا على ما جرت به العادة لم يبعد .

                                                                                                                            [ فرع ] قال العبادي وغيره : واعتمدوه في كتاب مستعار رأى فيه خطأ لا يصلحه إلا المصحف فيجب ، ويوافقه إفتاء القاضي بأنه لا يجوز رد الغلط في كتاب الغير ، وقيده الريمي بغلط لا يغير الحكم وإلا رده ، وكتب الوقف أولى وغيره بما إذا تحقق ذلك دون ما ظنه فلا ويكتب لعله كذا ، ورد بأن كتابة لعله إنما هي عند الشك في اللفظ لا الحكم ، والذي يتجه أن المملوك غير المصحف لا يصلح فيه شيئا مطلقا إلا إن ظن رضا مالكه به وأنه يجب إصلاح المصحف لكن إن لم ينقصه خطه لرداءته وأن الوقف يجب إصلاحه إن تيقن الخطأ وكان خطه مستصلحا سواء المصحف وغيره ، وأنه متى تردد في عين لفظ أو في الحكم لا يصلح شيئا وما اعتيد من كتابة لعله كذا لعله إنما يجوز في ملك الكاتب ا هـ حج .

                                                                                                                            وقال سم على منهج : فائدة : لو استعار كتابا فرأى فيه خطأ لا يصلحه إلا أن يكون قرآنا .

                                                                                                                            أقول : والحديث في معناه فيما يظهر ا هـ .

                                                                                                                            أقول : قول حج إن لم ينقصه خطه إلخ ينبغي أن يدفعه لمن يصلحه حيث كان خطه مناسبا للمصحف وغلب على ظنه إجابة المدفوع إليه ولم تلحقه مشقة في سؤاله ، وقوله وكان خطه مستصلحا : أي وخرج بذلك كتابة الحواشي بهوامشه فلا تجوز وإن احتيج إليها لما فيه من تغيير الكتاب عن أصله ولا نظر لزيادة القيمة بفعلها للعلة المذكورة .

                                                                                                                            [ فرع استطرادي ] وقع السؤال في الدرس عما يقع كثيرا أن الشريك في فرس يتوجه بها إلى عدو ويقاتله وتتلف الفرس هل يضمن الشريك بذلك أم لا ؟ فيه نظر . والجواب عنه أن يقال : إن جاءهم العدو إلى بلدتهم وخرجوا للدفاع عن أنفسهم وتلفت الفرس والحالة ما ذكر فلا ضمان ، وإن خرجوا ابتداء وقصدوا العدو على نية قتاله وتلفت ضمنها لأن الشريك لا يرضى بخروج الشريك بها على هذا الوجه ، بخلاف الحالة الأولى فإنها المعتاد عندهم في الانتفاع .

                                                                                                                            [ فرع آخر ] وقع السؤال أيضا عما يقع كثيرا أن مستعير الدابة إذا نزل عنها بعد ركوبه لها يرسلها مع تابعه فيركبها التابع في العود ثم تتلف بغير الاستعمال المأذون فيه فهل يضمنها المستعير أم التابع ؟ فيه نظر ، والأقرب أن الضمان على المستعير لأن التابع وإن ركبها فهو في حاجة المستعير من إيصالها إلى محل الحفظ ( قوله : ويؤخذ منه إلخ ) معتمد ( قوله : الذي لا يلزمه رد ) انظر أي مستعير لا يلزمه الرد ا هـ سم على حج : أقول : هو المستعير من المستأجر ونحوه إذا رد على المالك ، فإن الواجب عليه التخلية دون الرد كمعيره ( قوله ولو جاوز المحل المشروط ) وينبغي ضمان تلفها بالاستعمال حال المجاوزة ا هـ سم على حج ( قوله : وله الرجوع منه ) أي من المحل المشروط فلا [ ص: 130 ] يركب إلا بعد عوده إليه ( قوله : كالفول والشعير ) وعليه فلو استعار للشعير هل يزرع الفول وعكسه ؟ فيه نظر ، والأقرب أنه إذا استعار الشعير لا يزرع فولا بخلاف عكسه ( قوله : ففيه نوع من أنواع البديع ) أي وهو الاحتباك ( قوله : ويفارق نظيره في الإجارة ) أي حيث يلزمه الزائد فقط ( قوله فلا يسقط بأدائه ) قضيته أن الإباحة ترتد بالرد ، وفي سم على منهج أول الباب عن شرح الإرشاد لحج ما حاصله أن العارية ترتد بالرد ، وإن قلنا : إنها إباحة لا هبة للمنافع .

                                                                                                                            ثم قال : فإن قلت مر في الوكالة أن الإباحة لا ترد بالرد .

                                                                                                                            قلت : ذاك في الإباحة المحضة وهذه ليست كذلك ا هـ .

                                                                                                                            أي وبتقدير أنها إباحة محضة فهو لم يستوف ما أبيح له وقد استوفى ما لم يأذن له خاصة ( قوله : زرع ما شاء ) أي مما جرت به العادة ا هـ سم على حج .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : بزيادة ) متعلق باستوفى والباء بمعنى مع ( قوله : لأن المطلقات ) هو تعليل من جانب السائل والجواب قوله : [ ص: 131 ] لئلا يؤدي إلخ




                                                                                                                            الخدمات العلمية