الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                65 - الوكيل يقبل قوله بيمينه فيما يدعيه . [ ص: 29 - 30 ] إلا الوكيل بقبض الدين إذا ادعى بعد موت الموكل أنه كان قبضه في حياته ودفعه له فإنه لا يقبل قوله إلا بالبينة كما في الولوالجية من الوكالة ، 67 - وقد ذكرناه في الأمانات ، وفيما إذا ادعى بعد موت الموكل أنه اشترى لنفسه وكان الثمن منقودا وفيما إذا قال بعد عزله بعته [ ص: 31 ] أمس وكذبه الموكل ، وفيما إذا قال بعد موت الموكل بعته من فلان بألف درهم وقبضتها وهلكت وكذبته الورثة في البيع ، فإنه لا يصدق إذا كان المبيع قائما بعينه ، بخلاف ما إذا كان مستهلكا .

                الكل في الولوالجية من الفصل الرابع في اختلاف الوكيل مع الموكل ، وفي جامع الفصولين كما ذكرناه في الأولى ; قال : فلو قال كنت وقبضت في حياة الموكل ودفعته إليه 68 - لم يصدق ، إلا إذا أخبر عما لا يملك إنشاءه وكان متهما ، وقد بحث بأنه ينبغي أن يكون الوكيل بقبض الوديعة كذلك ، ولم ينتبه بما فرق به الولوالجي بينهما بأن الوكيل بقبض الدين [ ص: 32 ] يريد إيجاب الضمان على الميت إذ الديون تقضى بأمثالها ، [ ص: 33 ] بخلاف الوكيل بقبض العين فإنه يريد نفي الضمان عن نفسه ( انتهى ) .

                وكتبنا في شرح الكنز في باب التوكيل بالخصومة والقبض مسألة لا يقبل فيها قول الوكيل بالقبض أنه قبض 71 - وفي الواقعات الحسامية : الوكيل بقبض القرض إذا قال قبضته وصدقه المقرض وكذبه الموكل فالقول للموكل .

                التالي السابق


                ( 65 ) قوله :

                الوكيل يقبل قوله بيمينه فيما يدعيه إلخ .

                وأما ورثة الوكيل فنص عليهم قارئ الهداية في فتاواه بعد نحو أربعة أوراق مع بقية ورثة الأمناء وذكرها المصنف رحمه الله في فتاواه في الكراس الأخير مما عند كاتبه وقد سأل شيخ مشايخنا شيخ الإسلام نور الدين علي بن غانم المقدسي في الوكيل بعد عزله هل يقبل قوله في [ ص: 29 ] الدفع لموكله أم لا ؟ وهل يقبل قوله في الدفع لموكله بعد موته فيفرق في ذلك بين العزل الحقيقي والحكمي أم لا ؟ وهل قول العمادي في فصوله : ولو كان الموكل هو الميت بطلت أي الوكالة فإن قال قد كنت قبضت في حياة الموكل ودفعت إليه لم يصدق في ذلك لأنه أخبر عما لا يملك إنشاءه فكان متهما في إقراره وقد انعزل بموت الموكل ومثله في الخلاصة صحيح يعتمد عليه إفتاء وقضاء أو لا ؟ وقد ذكر العمادي في موضع أنه يقبل قول الوكيل بعد الموت أعني موت الموكل حيث قال ولو وكله بقبض وديعة أو عارية فمات الموكل فقد خرج الوكيل عن الوكالة فإن قال الوكيل قد كنت قبضتها في حياته ودفعتها إلى الموكل يصدق في ذلك وتأتي المسألة من بعد إن شاء الله تعالى .

                ثم ذكر ما قدمناه من عدم تصديق الوكيل بعد موت موكله فهل يمكن التوفيق بين هذين الفرعين أم لا ، وهل إذا فرق بينهما يكون الأول في الدين والثاني في الوديعة يكون الفرق صحيحا فأجاب : هذا السؤال حسن ، وقد كان يختلج بخاطري كثيرا أن أجمع في تحريره كلاما يزيح إشكالا ويوضح مراما لكن الوقت الآن يضيق عن كمال التحقيق فنقول وبالله التوفيق : التأمل في مقالهم والتفحص لأقوالهم يفيد أن الوكيل بعد العزل يقبل قوله في بعض المواضع دون بعض فيما يفيد عدم قبول قوله لو قال الموكل ببيع عبد مثلا لوكيله قد أخرجتك عن الوكالة فقال قد بعته أمس لم يصدق لأنه قد حكى عقدا لا يملك إنشاءه للحال ; نظيره ما لو قال لمطلقته بعد انقضاء العدة كنت راجعتك فيها لا يصدق ، ومما يفيد القبول قولهم في الفرع المذكور لو مات الموكل وقال ورثته لم تبعه وقال الوكيل بعته من فلان بألف درهم وقبضت الثمن وهلك وصدقه المشتري يصدق الوكيل إن كان العبد هالكا .

                قالوا لأنه بهذا الإخبار لا يريد إزالة ملك الورثة بل ينكر وجوب الضمان بإضافة البيع إلى حالة الحالة والورثة يدعون الضمان بالبيع بعد الموت فيكون القول للمنكر وأما العزل الحكمي والحقيقي فمعلوم الفرق بينهما بأن الحقيقي يتوقف على علم الوكيل بخلاف الحكمي وما ذكره في الفصول العمادية فلا خفاء أن أحد المحلين في الوديعة والآخر في الدين وقد استشكله صاحب جامع الفصولين بقياس أحدهما على الآخر لكن الحكم مصرح به بالاختلاف بين الوديعة والدين كما في الولوالجية . [ ص: 30 ] قوله :

                إلا الوكيل بقبض الدين إلخ .

                قيل عليه : ليس لهذا الاستثناء الذي ذكره أصل بل هو مخالف لما صرحوا به وقد اغتر بظاهر عبارة المصنف بعض المفتين فأفتى بأنه لا يقبل قول الوكيل المذكور إلا ببينة وتقرير الكلام بما يدفع الشبهة والأوهام أن الوكيل إما أن يكون وكيلا بقبض دين ثابت لموكله في ذمة غيره أو دين استقرضه الموكل بنفسه ووكله في قبضه من غيره وإذا ادعى الوكيل إيصال ما قبضه لموكله إما أن يكون دعواه في حياة موكله أو بعد موته وفي كل منهما يقبل قول الوكيل بيمينه لبراءة ذمته ودعواه هلاك ما قبض في يده كدعواه الإيصال مقبول لبراءة ذمته بكل حال وأما سراية قوله على موكله ليبرأ غريمه فهو خاص بما إذا ادعى الوكيل حال حياة موكله بالقبض وأما بعد موته فلا يثبت به براءة الغريم إلا ببينة يقيمها أو تصديق الورثة على قبض الوكيل ولو أنكروا إيصاله لموكله وأما الوكيل بقبض ما استدانه الموكل فلا يسري قوله على موكله حال حياته إذا أنكر قبضه على المفتى به كما بعد موته فلا بد من البرهان ، وهذه عبارة الولوالجي تفيد ما قدمناه قال : ولو وكل بقبض وديعة ثم مات الموكل فقال الوكيل قبضت في حياته وهلك وأنكر الورثة أو قال دفعت إليه صدق ولو كان دينا ثم يصدق لأن الوكيل في الموضعين حكى أمرا لا يملك استئنافه أي استئناف سببه على طريق مجاز الحذف لكن من حكى أمرا لا يملك استئنافه إن كان فيه إيجاب الضمان على الغير لا يصدق وإن كان فيه نفي الضمان عن نفسه صدق والوكيل بقبض الوديعة فيما يحكي بوجوب بنفي الضمان عن نفسه فيصدق والوكيل يقبض الدين فيما يحكي بوجوب الضمان على الموكل وهو ضمان قبل المقبوض فلا يصدق انتهى . ( 67 ) قوله :

                وقد ذكرناه في الأمانات .

                أقول : وكذا في المداينات وقد حصل [ ص: 31 ] الاشتباه بنقل المصنف تلك العبارة عن الولوالجية في ثلاثة مواضع مختصرة لا على الوجه الأكمل هنا وقد علمت ما فيه وفي كتاب الأمانات حيث قال : كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقها قبل قوله كالمودع إلى قوله إلا الوكيل بقبض الدين وهي في كتاب المداينات حيث قال تفرع على أن الديون تقضى بأمثالها مسائل منها الوكيل بقبض الدين إذا ادعى بعد موت الموكل أنه كان قبضه في حياته ودفعه إليه فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة لأنه يريد إيجاب الضمان على الميت بخلاف الوكيل بقبض العين ( انتهى ) .

                فقد حصل الاشتباه بقوله لا يقبل قوله إلا ببينة هل النفي عام في حقه وحق موكله أو المنفي ثبوت الدين على الآمر فقط لا براءة الوكيل بالقبض بقوله قبضت في حياته ودفعت له وقد علمت ما هو الصواب .

                ( 68 ) قوله : لم يصدق : أي في قوله قبضت ودفعت يعني بالنسبة إلى المديون لا بالنسبة إلى نفسه وإذا لم يصدق ترجع الورثة على المديون فإن صدق المديون الوكيل في الدفع فلا يمين عليه ولا يرجع المديون عليه لأنه أقر بأنه أوصل الحق إلى مستحقه وأن رجوع الورثة بطريق الظلم ، والمظلوم لا يظلم غيره وإن كذبه في الدفع يحلف إذ الضابط أن كل من أقر بشيء لزمه يحلف إذا هو أنكره ولو أقر بأن المال موجود عنده لم [ ص: 32 ] يدفعه أخذه منه فإذا حلف برئ لأنه بالنسبة إليه مودع والقول قوله في براءة نفسه وإنما كان مودعا لأنه لا مصدق له في الوكالة والقبض بطريق الوكالة ، وبذلك صار المال في يده أمانة كما صرحوا به في كتاب الوكالة وإن نكل عن اليمين رجع عليه وإن صدقه الورثة في القبض وكذبوه في الدفع فالقول قوله بيمينه لأنه بالقبض صار المال في يده وديعة فتصديقهم له فيه اعتراف بأنه مودع وأن المديون قد برئت ذمته بذلك فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين لزمه المال المدعى وإن أقام البينة على الدفع جاز واندفعت عنه اليمين ولو أن الورثة في صورة إنكار القبض والدفع حين أرادوا الرجوع على المديون أقام المديون بينة أنه دفع المال للوكيل حال حياة الموكل اندفعت دعواهم عليه ثم إذا أرادوا تحليف الوكيل على الدفع لهم ذلك ، لأن الثابت بالبينة كالثابت عيانا فكان قبضه معاينا دون دفعه فإن حلف برئ وإن نكل لزمه دعواهم ولو لم يقم المديون بينة على دفع الوكيل وأراد تحليف الورثة على نفي العلم بالدفع للوكيل يحلفون فإن حلفوا ثبت عليه المدعى وإن نكلوا لزمهم دعواه وهو الدفع له فإن حلف برئ وإن نكل لزمه دعواهم .

                فالحاصل أنه متى ثبت قبض الوكيل الدين من المديون بوجه من الوجوه كان القول قوله بيمينه في الدفع لأنه صار بعده مودعا والقول قوله في الدفع وقد ظهر من هذا أنه ينتصب خصما للورثة حتى إذا أقام عليهم بينة بالدفع للميت جاز واندفعت خصومتهم عن المديون فإذا صدقوه في القبض منه والدفع ونكلوا عن اليمين على نفي العلم كما شرحنا ثبت عليهم بالدفع للميت واندفعوا عن الوكيل والمديون وإنما قلت بأن له أن يحلف الوكيل على الدفع لأنه مصدق له في القبض لا في الدفع ولما دفع المال للورثة ثانيا صار أحد المالين له فانتصب الوكيل خصما له فيما قبضه ولتحليفه فائدة وهو أنه ربما ينكل عن اليمين ويقر بعدم الدفع فيرد المدفوع لربه وهذا يعلم من مسائل ذكرت في دعوى المديون الإيفاء للدائن في جواب الوكيل بقبض الدين فراجع تلك المسائل وافهم العلة يظهر لك الحكم والله تعالى أعلم .

                حرره بعض الفضلاء . ( 69 ) قوله :

                يريد إيجاب الضمان على الميت إلخ .

                أي فلا يقبل قوله في هذا الإيجاب ويقبل قوله في براءة ذمته ونفي الضمان عن نفسه . [ ص: 33 ] قوله :

                بخلاف الوكيل بقبض العين .

                فإنه يريد نفي الضمان عن نفسه يعني فيقبل قوله وأما المودع فذمته خالية عن الضمان فلا يتأتى فيه القول بإيجاب الضمان عليه إذ قوله مقبول في الدفع إلى المودع أو إلى وكيله في قبضها منه وأما المديون فلا يقبل قوله في الدفع فظهر الفرق وبطل ما في جامع الفصولين وما بحثه شيخ شيخنا بقوله أقول بعكس ما قال صاحب جامع الفصولين وهو أنه ينبغي أن يكون الوكيل بقبض الدين كالوكيل بقبض الوديعة في حق براءة نفسه . ( 71 ) قوله :

                وفي الواقعات الحسامية إلخ .

                قيل : إنما لم يقبل قوله لعدم صحة التوكيل بالقرض




                الخدمات العلمية