الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فمن لم يجد ) مفعول " يجد " محذوف لفهم المعنى ، التقدير : فمن لم يجد ما استيسر من الهدي ، ونفي الوجدان إما لعدمه أو عدم ثمنه . ( فصيام ثلاثة أيام ) . ارتفع صيام على الابتداء ، أي : فعليه ، أو على الخبر ، أي : فواجب . وقرئ " فصيام " بالنصب أي : فليصم صيام ثلاثة أيام ، والمصدر مضاف للثلاثة بعد الاتساع : لأنه لو بقي على الظرفية لم تجز الإضافة . ( في الحج ) أي : في أشهر الحج ، فله أن يصومها فيها ما بين الإحرامين ، إحرام العمرة ، وإحرام الحج ، قاله عكرمة ، وعطاء ، وأبو حنيفة قال : والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويوما قبلهما ، وإن مضى هذا الوقت لم يجزه إلا الدم ، وقال عطاء أيضا ، ومجاهد : لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة ، وبه قال الثوري ، والأوزاعي . وقال ابن عمر ، والحسن ، والحكم : يصوم يوما قبل التروية ، ويوم التروية ، ويوم عرفة ، وكل هؤلاء يقولون : لا يجوز تأخيرها عن عشر ذي الحجة : لأنه بانقضائه ينقضي الحج . وقال علي ، وابن عمر : لو فاته صومها قبل يوم النحر صامها في أيام التشريق : لأنها من أيام الحج . وعن عائشة ، وعروة ، وابن عمر في رواية ابنه سالم عنه : أنها أيام التشريق . وقيل : زمانها بعد إحرامه ، وقيل : يوم النحر ، قاله علي ، وابن عمر ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، وطاوس ، وعطاء ، والسدي : وبه قال مالك : وقال الشافعي ، وأحمد : يصومهن ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة .

وروي هذا عن مالك ، وهو قوله في ( الموطأ ) ليكون يوم عرفة مفطرا . وعن أحمد : يجوز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم ، وقال قوم : له أن يؤخرها ابتداء إلى يوم التشريق : لأنه لا يجب عليه الصوم إلا بأن لا يجد الهدي يوم النحر . وقال عروة : يصومها ما دام بمكة ، وقاله أيضا مالك ، وجماعة من أهل المدينة ، وهذه الأقوال كلها تحتاج إلى دلائل عليها .

وظاهر قوله : في الحج ، أن يكون المحذوف : زمانا : لأنه المقابل في قوله : ( وسبعة إذا رجعتم ) ، إذ معناه في وقت الرجوع ، ووقت الحج هو أشهره ، فنحر الهدي للمتمتع لم يشرط فيه زمان ، بل ينبغي أن يتعقب التمتع لوقوعه جوابا للشرط ، فإذا لم يجده فيجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج ، أي : في وقته ، فمن لحظ مجرد هذا المحذوف أجاز الصيام قبل أن يحرم بالحج وبعده ، وجوز ذلك إلى آخر أيام التشريق : لأنها من وقت الحج : ومن قدر محذوفا آخر ، أي : في وقت أفعال الحج ، لم يجز الصيام إلا بعد الإحرام بالحج ، والقول الأول أظهر لقلة الحذف ، ومن لم يلحظ أشهر الحج ، وجوز أن يكون ما دام بمكة ، فإذا اعتقد أن المحذوف ظرف مكان ، أي : فصيام ثلاثة أيام في أماكن الحج .

والظاهر : وجوب انتقاله إلى الصوم عند عدم الوجدان للهدي ، فلو ابتدأ في الصوم ، ثم وجد الهدي [ ص: 79 ] مضى في الصوم وهو فرضه ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، والشافعي ، وأبو ثور ، واختاره ابن المنذر . وقال مالك : أحب أن يهدي ، فإن صام أجزأه ، وقال أبو حنيفة : إن أيسر في اليوم الثالث من صومه ، بطل الصوم ووجب عليه الهدي ، ولو أيسر بعد تمامها كان له أن يصوم السبعة الأيام ، وبه قال الثوري ، وابن أبي نجيح ، وحماد .

( وسبعة إذا رجعتم ) . قرأ زيد بن علي ، وابن أبي عبدة : " وسبعة " بالنصب . قال الزمخشري : عطفا على محل ثلاثة أيام ، كأنه قيل : فصيام ثلاثة أيام كقولك : ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ) ، انتهى .

وخرجه الحوفي ، وابن عطية على إضمار فعل ، أي : فليصوموا ، أو فصوموا سبعة ، وهو التخريج الذي لا ينبغي أن يعدل عنه : لأنا قد قررنا أن العطف على الموضع لا بد فيه من المحرز ، ومجيء " وسبعة " بالتاء هو الفصيح ، إجراء للمحذوف مجرى المنطوق به ، كما قيل : وسبعة أيام ، فحذف لدلالة ما قبله عليه ، وللعلم بأن الصوم إنما هو الأيام ، ويجوز في الكلام حذف التاء إذا كان المميز محذوفا ، وعليه جاء : ثم أتبعه بست من شوال ، وحكى الكسائي : صمنا من الشهر خمسا ، والعامل في " إذا " هو " صيام ثلاثة أيام " ، وبه متعلق " في الحج " لا يقال " إذا " عمل فيهما ، فقد تعدى العامل إلى ظرفي زمان : لأن ذلك يجوز مع العطف والبدل ، وهنا عطف بالواو شيئين على شيئين ، كما تقول : أكرمت زيدا يوم الخميس وعمرا يوم الجمعة . و " إذا " هنا محض ظرف ، ولا شرط فيها ، وفي " رجعتم " التفات ، وحمل على معنى : من ، أما الالتفات ، فإن قوله : ( فمن تمتع ) ، ( فمن لم يجد ) ، اسم غائب : ولذلك استتر في الفعلين ضمير الغائب ، فلو جاء على هذا النظم لكان الكلام إذا رجع ، وأما الحمل على المعنى فإنه أتى بضمير الجمع ، ولو راعى اللفظ لأفرد ، ولفظ الرجوع مبهم ، وقد جاء تبيينه في السنة .

ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر ، في آخر : وليهد فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس : وسبعة إذا رجع إلى أهله إلى أمصاركم ، وبه قال قتادة ، وعطاء ، وابن جبير ، ومجاهد ، والربيع ، وقالوا : هذه رخصة من الله تعالى ، والمعنى : إذا رجعتم إلى أوطانكم ، فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه ، إلا أن يتشدد أحد كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان : وقال أحمد ، وإسحاق : يجزئه الصوم في الطريق : وقال مجاهد ، وعطاء ، وإبراهيم : المعنى إذا رجعتم نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ، وهذا مذهب أبي حنيفة . فمن بقي بمكة صامها ، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق . قال مالك في ( الكتاب ) : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية