الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) قرأ الجمهور : " يطيقونه " مضارع أطاق ، وقرأ حميد يطوقونه من أطوق ، كقولهم أطول في أطال ، وهو الأصل . وصحة حرف العلة في هذا النحو شاذة من الواو ومن الياء ، والمسموع منه : أجود ، وأعول ، وأطول ، وأغيمت السماء ، وأخيلت ، وأغيلت المرأة ، وأطيب ، وقد جاء الإعلال في جميعها وهو القياس ، والتصحيح كما ذكرنا شاذ عند النحويين ، إلا أبا زيد الأنصاري فإنه يرى التصحيح في ذلك مقيسا اعتبارا بهذه الألفاظ النزرة المسموع فيها الإعلال والنقل على القياس . وقرأ عبد الله بن عباس في المشهور عنه : يطوقونه ، مبنيا للمفعول من طوق على وزن قطع . وقرأت عائشة ، ومجاهد ، وطاوس ، وعمرو بن دينار : يطوقونه من اطوق ، وأصله تطوق على وزن تفعل ، ثم أدغموا التاء في الطاء ، فاجتلبوا في الماضي والأمر همزة الوصل . قال بعض الناس : هو تفسير لا قراءة ، خلافا لمن أثبتها قراءة ، والذي قاله الناس خلاف مقالة هذا القائل ، وأوردها قراءة .

وقرأت فرقة ، منهم عكرمة : يطيقونه ، وهي مروية عن مجاهد ، وابن عباس ، وقرئ أيضا هكذا لكن بضم ياء المضارع على البناء للمفعول ، ورد بعضهم هذه القراءة ، وقال : هي باطلة : لأنه مأخوذ من الطوق . قالوا : ولازمة فيه ، ولا مدخل للياء في هذا المثال . وقال ابن عطية : تشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف ، انتهى . وإنما ضعف هذا أو امتنع عند هؤلاء : لأنهم بنوا على أن الفعل على وزن تفعل ، فأشكل ذلك عليهم ، وليس كما ذهبوا إليه ، بل هو على وزن : تفعيل من الطوق ، كقولهم : تدير المكان وما بها ديار ، فأصله : تطيوقون ، اجتمعت ياء وواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء وأدغمت فيها الياء ، فقيل : تطيق يتطيق ، فهذا توجيه هذه القراءة وهو توجيه نحوي واضح . ( فهذه ست قراءات ) يرجع [ ص: 36 ] معناها إلى الاستطاعة والقدرة ، فالمبني منها للفاعل ظاهر ، والمبني منها للمفعول ، معناه : يجعل مطيقا لذلك ، ويحتمل قراءة تشديد الواو والياء أن يكون لمعنى التكليف ، أي : يتكلفونه أو يكلفونه ، ومجازه أن يكون من الطوق بمعنى القلادة ، فكأنه قيل : مقلدون ذلك ، أي : يجعل في أعناقهم ، ويكون كناية عن التكليف ، أي : يشق عليهم الصوم . وعلى هذين المعنيين حمل المفسرون قوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه ) ، والضمير عائد على الصوم ، فاختلفوا ، فقال معاذ بن جبل ، وابن عمر ، وسلمة بن الأكوع ، والحسن البصري ، والشعبي ، وعكرمة ، وابن شهاب ، والضحاك : كان الصيام على المقيمين القادرين مخيرا فيه ، فمن شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم ، ثم نسخ ذلك ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ، وهذا قول أكثر المفسرين ، وقيل : ثم محذوف معطوف تقديره : يطيقونه ، أو " الصوم " ، لكونهم كانوا شبابا ثم عجزوا عنه بالشيخوخة ، قاله سعيد بن المسيب والسدي .

وقيل : المعنى وعلى الذين يطيقون الصوم ، وهو بصفة المرض الذي يستطيع معه الصوم ، فخير هذا بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي ، ثم نسخ ذلك بقوله : ( فليصمه ) ، فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم ، قاله ابن عباس . وجوز بعضهم أن تكون " لا " محذوفة ، فيكون الفعل منفيا ، وقدره : وعلى الذين لا يطيقونه . قال : حذف لا وهي مرادة . قال ابن أحمد :


آليت أمدح مقرفا أبدا يبقى المديح ويذهب الرفد



( وقال الآخر ) :


فخالف ، فلا والله تهبط تلعة     من الأرض إلا أنت للذل عارف



( وقال امرؤ القيس ) :


فقلت يمين الله أبرح قاعدا     ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي



وتقدير - لا - خطأ : لأنه مكان إلباس . ألا ترى أن الذي يتبادر إليه الفهم ، هو أن الفعل مثبت ، ولا يجوز حذف - لا - وإرادتها إلا في القسم ، والأبيات التي استدل بها هي من باب القسم ، وعلة ذلك مذكورة في النحو . وقيل : ( الذين يطيقونه ) المراد : الشيخ الهرم والعجوز ، أي : يطيقونه بتكلف شديد ، فأباح الله لهم الفطر والفدية ، والآية على هذا محكمة ، ويؤيده توجيه من وجه يطوقونه على معنى يتكلفون صومه ويتجشمونه ، وروي ذلك عن علي ، وابن عباس ، وأنها نزلت في الشيخ الفاني والعجوز الهرمة . وزيد عن علي : والمريض الذي لا يرجى برؤه ، والآية عند مالك إنما هي في من يدركه رمضان وعليه صوم رمضان المتقدم ، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم ، فتركه ، فعليه الفدية .

وقال الأصم : يرجع ذلك إلى المريض والمسافر : لأن لهما حالين : حال لا يطيقان فيه الصوم ، وقد بين الله حكمها في قوله : ( فعدة من أيام أخر ) ، وحال يطيقان ، وهي حالة المرض والسفر الذين لا يلحق بهما جهد شديد لو صاما ، فخير بين أن يفطر ويفدي ، فكأنه قيل : وعلى المرضى والمسافرين الذين يطيقونه . والظاهر من هذه الأقوال القول الأول ، وذلك أن الله تعالى لما ذكر فرض الصيام على المؤمنين قسمهم إلى قسمين : متصف بمظنة المشقة ، وهو المريض والمسافر ، فجعل حكم هذا أنه إذا أفطر لزمه القضاء ، ومطيق للصوم ، فإن صام قضى ما عليه ، وإن أفطر فدى ، ثم نسخ هذا الثاني ، وتقدم أن هذا كان ، ثم نسخ .

والقائلون بأن الذين يطيقونه هم الشيوخ والعجز ، تكون الآية محكمة على قولهم ، واختلفوا ، فقيل : يختص هذا الحكم بهؤلاء ، وقيل : يتناول الحامل والمرضع ، وأجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر عليه الفدية ، هكذا نقل بعضهم ، وليس هذا الإجماع بصحيح : لأن ابن عطية نقل عن مالك أنه قال : لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة ، ويستحب لمن قوي عليها . وتقدم قول مالك ورأيه في الآية . وقال الشافعي : على الحامل والمرضع ، [ ص: 37 ] إذا خافتا على ولديهما الفدية ، لتناول الآية لهما ، وقياسا على الشيخ الهرم ، والقضاء . وروي في البويطي : لا إطعام عليهما ، وقال أبو حنيفة : لا تجب الفدية ، وأبطل القياس على الشيخ الهرم : لأنه لا يجب عليه القضاء ، ويجب عليهما . قال : فلو أوجبنا الفدية مع القضاء كان جمعا بين البدلين ، وهو غير جائز ، وبه قال ابن عمر ، والحسن ، وأبو يوسف ومحمد وزفر ، وقال علي : الفدية بلا قضاء ، وذهب ابن عمر ، وابن عباس إلى أن الحامل تفطر وتفدي ولا قضاء عليها ، وذهب الحسن ، وعطاء ، والضحاك ، والزهري ، وربيعة ، ومالك ، والليث إلى أن الحامل إذا أفطرت تقضي ، ولا فدية عليها ، وذهب مجاهد ، وأحمد إلى أنها تقضي وتفدي . وتقدم أن هذا مذهب الشافعي ، وأما المرضع فتقدم قول الشافعي ، وأبي حنيفة فيها إذا أفطرت . وقال مالك في المشهور تقضي وتفدي . وقال في مختصر ابن عبد الحكم : لا إطعام على المرضع .

واختلفوا في مقدار ما يطعم من وجب عليه الإطعام ، فقال إبراهيم ، والقاسم بن محمد ، ومالك والشافعي فيما حكاه عنه المزني . يطعم عن كل يوم مدا : وقال الثوري : نصف صاع من بر ، وصاع من تمر أو زبيب ، وقال قوم : عشاء وسحور ، وقال قوم : قوت يوم ، وقال أبو حنيفة وجماعة ، يطعم عن كل يوم نصف صاع من بر ، وروي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وقيس بن الكاتب الذي كان شريك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية ، وعائشة ، وسعيد بن المسيب في الشيخ الكبير : أنه يطعم عنه كل يوم نصف صاع . وظاهر الآية : أنه يجب مطلق طعام ، ويحتاج التقييد إلى دليل .

ولو جن في رمضان جميعه أو في شيء منه ، فقال الشافعي : لا قضاء عليه ولو أفاق قبل أن تغيب الشمس إذ مناط التكليف العقل ، وقال مالك وعبيد الله العنبري : يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة : وقال أبو حنيفة ، والثوري ، ومحمد ، وأبو يوسف ، وزفر : إذا جن في رمضان كله فلا قضاء عليه ، وإن أفاق في شيء منه قضاه كله . وقرأ الجمهور : " فدية طعام مسكين " ، بتنوين الفدية ، ورفع " طعام " ، وإفراد " مسكين " ، وهشام كذلك إلا أنه قرأ : " مساكين " بالجمع ، وقرأ نافع ، وابن ذكوان ، بإضافة الفدية والجمع وإفراد الفدية لأنها مصدر . ومن نون كان " طعام " بدلا من " فدية " ، وكان في ذلك تبيين للفدية ما هي . ومن لم ينون فأضاف كان في ذلك تبيين أيضا وتخصص بالإضافة ، وهي إضافة الشيء إلى جنسه : لأن الفدية اسم للقدر الواجب ، والطعام يعم الفدية وغيرها ، وفي ( المنتخب ) أنه يجوز أن تكون هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة . قال : لأن الفدية لها ذات ، وصفتها أنها طعام ، وهذا ليس بجيد : لأن طعاما ليس بصفة ، وهو هنا إما أن يكون يراد به المصدر كما يراد بعطاء الإعطاء ، أو يكون يراد به المفعول كما يراد بالشراب المشروب ، وعلى كلا التقديرين لا يحسن به الوصف . أما إذا كان مصدرا فإنه لا يوصف به إلا عند إرادة المبالغة ، ولا معنى لها هنا ، وأما إذا أريد به المفعول : فلأنه ليس جاريا على فعل ولا منقاسا ، فلا تقول : في مضروب ضراب ، ولا في مقتول قتال ، وإنما هو شبيه الرعي والطحن والدهن ، لا يوصف بشيء منها ، ولا يعمل عمل المفعول ، ألا ترى أنه لا يجوز فيها مررت برجل طعام خبزه ولا شراب ماؤه ، فيرفع ما بعدها بها ؟ وإذا تقرر هذا فهو ضعف أن يكون ذلك من إضافة الموصوف إلى صفته ، ومن قرأ مساكين ، قابل الجمع بالجمع ، ومن أفرد فعلى مراعاة إفراد العموم ، أي : وعلى كل واحد ممن يطيق الصوم لكل يوم يفطره إطعام مسكين ، ونظيره ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) أي : فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة . وتبين من إفراد المسكين أن الحكم لكل يوم يفطر فيه مسكين ، ولا يفهم ذلك من الجمع .

التالي السابق


الخدمات العلمية