الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ) : مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه أخبر تعالى : أولا بكتب القصاص وهو : إتلاف النفوس ، وهو من أشق التكاليف ، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل ، ثم أخبر ثانيا بكتب الوصية وهو : إخراج المال الذي هو عديل الروح ، ثم انتقل ثالثا إلى كتب الصيام ، وهو : منهك للبدن ، مضعف له ، مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار ، فابتداء بالأشق ثم بالأشق بعده ، ثم بالشاق فهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية ، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر من أركان الإسلام ثلاثة : الإيمان ، والصلاة ، والزكاة ، فأتى بهذا الركن الرابع ، وهو الصوم . وبناء ( كتب ) للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة ، وحذف الفاعل للعلم به ، إذ هو : الله تعالى : لأنها مشاق صعبة على المكلف ، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى ، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها ، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبنى الفعل للفاعل ، كما قال تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) ، ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) ، ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) ، وهذا من لطيف علم البيان .

أما بناء الفعل للفاعل في قوله : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) ، فناسب لاستعصاء اليهود وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم بخلاف هذه الأمة المحمدية ، ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين ، ونادى المؤمنين عند إعلامهم بهذا المكتوب [ ص: 29 ] الثالث الذي هو الصيام لينبههم على استماع ما يلقي إليهم من هذا التكليف ، ولم يحتج إلى نداء في المكتوب الثاني لانسلاكه مع الأول في نظام واحد ، وهو : حضور الموت بقصاص أو غيره ، وتباين هذا التكليف الثالث منها ، وقدم الجار والمجرور على المفعول به الصريح وإن كان أكثر الترتيب العربي بعكس ذلك ، نحو : ضرب زيد بسوط : لأن ما احتيج في تعدي الفعل إليه إلى واسطة دون ما تعدى إليه بغير واسطة : لأن البداءة بذكر المكتوب عليه أكثر من ذكر المكتوب لتعلق الكتب بمن نودي ، فتعلم نفسه أولا أن المنادى هو المكلف ، فيرتقب بعد ذلك لما كلف به .

والألف واللام في " الصيام " ، للعهد إن كانت قد سبقت تعبداتهم به ، أو للجنس إن كانت لم تسبق . وجاء هذا المصدر على فعال ، وهو أحد البنائين الكثيرين في مصدر هذا النوع من الفعل ، وهو الفعل الواوي العين الصحيح الآخر ، والبناءان هما فعول وفعال ، وعدل عن الفعول وإن كان الأصل لاستثقال الواوين ، وقد جاء منه شيء على الأصل : كالفئور ، ولثقل اجتماع الواوين همز بعضهم فقال : الفئور .

( كما كتب ) الظاهر أن هذا المجرور في موضع الصفة لمصدر محذوف ، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه على ما سبق ، أي : كتبا مثل ما كتب أو كتبه ، أي : الكتب منها كتب ، وتكون السببية قد وقع في مطلق الكتب وهو الإيجاب ، وإن كان متعلقه مختلفا بالعدد أو بغيره ، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ، وعطاء ، وتكون إذ ذاك ما مصدرية . وقيل : الكاف في موضع نصب على الحال من الصيام ، أي : مشبها ما كتب على الذين من قبلكم ، وتكون ما موصولة أي : مشبها الذي كتب عليكم ، وذو الحال هو : الصيام ، والعامل فيها العامل فيه ، وهو : كتب عليكم . وأجاز ابن عطية أن تكون الكاف في موضع صفة لصوم محذوف ، التقدير : صوما كما ، وهذا فيه بعد : لأن تشبيه الصوم بالكتابة لا يصح ، هذا إن كانت ما مصدرية ، وأما إن كانت موصولة ففيه أيضا بعد : لأن تشبيه الصوم بالمصوم لا يصح إلا على تأويل بعيد . وأجاز بعض النحاة أن تكون الكاف في موضع رفع على أنها نعت لقوله : الصيام ، قال : إذ ليس تعريفه بمستحسن لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة ، فلذلك جاز نعته بكما ، إذ لا ينعت بها إلا النكرات ، فهي بمنزلة : ( كتب عليكم الصيام ) ، انتهى كلامه ، وهو هدم للقاعدة النحوية من وجوب توافق النعت والمنعوت في التعريف والتنكير ، وقد ذهب بعضهم إلى نحو من هذا ، وأن الألف واللام إذا كانت جنسية جاز أن يوصف مصحوبها بالجملة ، وجعل من ذلك قوله تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) ، ولا يقوم دليل على إثبات هدم ما ذهب إليه النحويون ، وتلخص في : ما ، من قوله : " كما " وجهان أحدهما : أن تكون مصدرية ، وهو الظاهر ، والآخر : أن تكون موصولة بمعنى الذي .

( على الذين من قبلكم ) ظاهره عموم الذين من قبلنا من الأنبياء وأممهم من آدم إلى زماننا . وقال علي : أولهم آدم ، فلم يفترضها عليكم ، يعني : أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم ، فلم يفترضها عليكم خاصة ، وقيل : الذين من قبلنا هم النصارى . قال الشعبي وغيره : والمصوم معين وهو رمضان فرض على الذين من قبلنا وهم النصارى ، احتاطوا له بزيادة يوم قبله ويوم بعده قرنا بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر ، فنقلوه إلى الفصل الشمسي . قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل ، والحسن ، والسدي .

وقيل : بل مرض ملك من ملوكهم ، فنذر إن برئ أن يزيد فيه عشرة أيام ، ثم آخر سبعة ، ثم آخر ثلاثة ، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله . وقيل : كان النصارى أولا يصومون ، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطأون إذا ناموا ، ثم انتبهوا في الليل ، وكان ذلك في أول الإسلام ، ثم نسخ بسبب عمر ، وقيس بن صرمة . قال السدي أيضا والربيع [ ص: 30 ] وأبو العالية .

قيل : وكذا كان صوم اليهود ، فيكون المراد بالذين من قبلنا ، اليهود والنصارى ، وقيل : الذين من قبلنا : هم اليهود خاصة ، فرض علينا كما فرض عليهم ، ثم نسخه الله بصوم رمضان . قال الراغب : للصوم فائدتان : رياضة الإنسان نفسه عن ما تدعوه إليه من الشهوات ، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع ، انتهى . وحكمة التشبيه أن الصوم عبادة شاقة ، فإذا ذكر أنه كان مفروضا على من تقدم من الأمم سهلت هذه العبادة . ( تتقون ) الظاهر تعلق ( لعل ) بـ ( كتب ) أي : سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم ، فقيل : المعنى تدخلون في زمرة المتقين : لأن الصوم شعارهم ، وقيل : تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي ، فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها ، كما قال عليه السلام " فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء " .

وقيل : تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم ، قاله السدي . وقيل : تتقون المعاصي : لأن الصوم يكف عن كثير مما تشوق إليه النفس ، قاله الزجاج ، وقيل : تتقون محظورات الصوم ، وهذا راجع لقول السدي .

التالي السابق


الخدمات العلمية