الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وسع كرسيه السماوات والأرض ) قرأ الجمهور ( وسع ) بكسر السين ، وقرئ شاذا بسكونها ، وقرئ أيضا شاذا ( وسع ) بسكونها وضم العين ، و ( السماوات والأرض ) بالرفع مبتدأ وخبرا ، والكرسي : جسم عظيم يسع السماوات والأرض ، فقيل : هو نفس العرش ، قاله الحسن . وقال غيره : دون العرش وفوق السماء السابعة ، وقيل : تحت الأرض كالعرش فوق السماء ، عن السدي ، وقيل : الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم ، أو ملك آخر عظيم القدر . وقيل : السلطان والقدرة ، والعرب تسمي أصل كل شيء الكرسي ، وسمى الملك بالكرسي ؛ لأن الملك في حال حكمه وأمره ونهيه يجلس عليه فسمي باسم مكانه على سبيل المجاز ; قال الشاعر :


قد علم القدوس مولى القدس أن أبا العباس أولى نفس




في معدن الملك القديم الكرسي



[ ص: 280 ] وقيل : الكرسي العلم ؛ لأن موضع العالم هو الكرسي ، سميت صفة الشيء باسم مكانه على سبيل المجاز ، ومنه يقال للعلماء : كراسي ، لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض ، ومنه الكراسة ; وقال الشاعر :


تحف بهم بيض الوجوه وعصبة     كراسي بالأحداث حين تنوب



أي : ترجع ، وقيل : الكرسي السر ; قال الشاعر :


ما لي بأمرك كرسي أكاتمه     ولا بكرسي علم الله مخلوق



وقيل : الكرسي ملك من الملائكة يملأ السماوات والأرض . وقيل : قدرة الله . وقيل : تدبير الله ، حكاهما الماوردي ، وقال : هو الأصل المعتمد عليه . قال المغربي : من تكرس الشيء تراكب بعضه على بعض ، وأكرسته أنا ; قال العجاج :


يا صاح هل تعرف رسما مكرسا     قال نعم أعرفه وأكرسا



وقال آخر :


نحن الكراسي لا تعد هوازن     أمثالنا في النائبات ولا الأشد



وقال الزمخشري : وفي قوله : ( وسع كرسيه ) أربعة أوجه : أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثمة ، ولا قعود ، ولا قاعد ، لقوله : ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) من غير تصور قبضة وطي ويمين ، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه ، وتمثيل حسي . ألا ترى إلى قوله : ( وما قدروا الله حق قدره ) ؟ انتهى ما ذكره في هذا الوجه . واختار القفال معناه قال : المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله تعالى وكبريائه وتعزيزه ، خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم . وقيل : كرسي لؤلؤ ، طول القائمة سبعمائة سنة ، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون . ذكره ابن عساكر في تاريخه ، عن علي بن أبي طالب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله . قال ابن عطية : والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش ، والعرش أعظم منه ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " . وقال أبو ذر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض " . وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله ، انتهى كلامه .

التالي السابق


الخدمات العلمية