الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( وله أخذ مال غريم غريمه ) كأن يكون لزيد مثلا على عمرو دين ولعمرو على بكر مثله فلزيد أن يأخذ من مال بكر ماله على عمرو ، ولا يمنع من ذلك رد عمرو وإقرار بكر له ولا جحود [ ص: 338 ] بكر استحقاق زيد على عمرو كذا في الروضة وكأصلها ويؤخذ منه علم الغريمين بالأخذ وتنزيل مال الثاني منزلة مال الأول ، كذا قاله الشارح لكن بإثبات الواو الثانية بعد قوله رد عمرو تبعا لما في نسخ الروضة المعتمدة ووقع في غيرها حذفها وهو أوضح من إثباتها ، وعلى الإثبات يبقى المعنى ولا يمنع من الأخذ رد عمرو ، والحال أن بكرا أقر له ، فلو رد عمرو قول من زعم أن له دينا على بكر ووافقه بكر على رد عمرو لم يجز الأخذ من مال بكر شيئا لعدم المقتضى ، وقوله ويؤخذ منه علم الغريمين بالأخذ في الأخذ تكلف ، وكأنه لما قال : لا يمنع من الأخذ رد عمرو إقرار بكر فهم بالإشارة أنه لما إن كان رد عمرو إقرار بكر لا يمنع علم أن عمرا علم بالأخذ .

                                                                                                                            وأفهم قوله ولا جحود بكر دين زيد أن بكرا يعلم بأخذ زيد حتى يجحد دينه وأن له الأخذ ، ولا يخفى ما فيه إذ قد يعلم الآخذ قبل أخذه كلا من الأمرين ويقدم على الآخذ قبل علمهما نعم إن أراد أنه يؤخذ من قياسهم أخذ غريم الغريم على أخذ الغريم وأن من شرط القياس المساواة فقياس أخذ على أخذ إنما هو من حيث تساوى الأخذان فالذي يساوي أخذ من جاحد ولا بينة أو مقر ممتنع إلى آخره فإذا كان في أخذ مال غريم الغريم ضرر على زيد لم يجز الأخذ وذلك فيما إذا أخذ من ماله من غير علم الغريم وغريم الغريم لأنه يؤدي إلى أن يدفع المال مرتين لعدم علمه بأخذ زيد وكذلك إذا لم يعلم عمرو بالأخذ من بكر فإن عمرا يطالب بكرا ظنا منه أنه باق في ذمته فلا يتأتى اندفاع الضرر إلا بعلمهما بالأخذ وحيث علما به يساوي أخذ مال الغريم بجامع أن كلا من الأخذين موصل للحق من غير ضرر ، وأيضا يؤخذ منه تنزيل مال غريم الغريم بقوله مال الغريم والأخذ من مال الغريم وأن جوازه مشروط بكونه جاحدا أو مماطلا فليكن المقيس مثله ، فإذا أخذ بإطلاقه جواز أخذ مال غريم الغريم لم ينزل ماله منزلة مال الغريم ، على أنه يمكن أن يقال إن التصريح بذلك اللزوم زيادة إيضاح وإلا فالتصوير المذكور يعلم منه علم الغريمين .

                                                                                                                            أما علم الغريم فمن قولهم وإن رد عمرو إقرار بكر له وأما علم غريم غريمه فمن قولهم أو جحد بكر إلخ فاندفع ما يقال الغريم قد لا يعلم بالأخذ فيأخذ من مال غريمه فيؤدي إلى الأخذ مرتين وغريمه قد لا يعلم بذلك فيأخذ منه الغريم [ ص: 339 ] فيؤدي إلى ذلك أيضا ، ووجه اندفاعه أن المسألة مصورة بالعلم فلا يرد ذلك ( والأظهر أن المدعي ) ويعتبر فيه كونه معينا معصوما مكلفا أو سكران ولو محجورا عليه بسفه فيقول ووليي يستحق تسلمه ( من يخالف قوله الظاهر ) وهو براءة الذمة ( والمدعى عليه ) المتصف بما مر ( من يوافقه ) ولذلك جعلت البينة على المدعي لأنها أقوى من اليمين التي جعلت على المنكر لينجبر ضعف جانب المدعي بقوة حجته وضعف حجة المنكر بقوة جانبه كما مرت الإشارة إليه ، وهذه القاعدة تحوج إلى معرفة المدعي والمدعى عليه ليطالب كل منهما بحجته إذا تخاصما ، وقيل المدعي من لو سكت خلي ولم يطالب بشيء والمدعى عليه من لا يخلى ولا يكفيه السكوت ، فإذا طالب زيد عمرا بحق فأنكر فزيد يخالف قوله الظاهر من براءة عمرو ولو سكت ترك وعمرو يوافق قوله الظاهر ، ولو سكت لم يترك فهو مدعى عليه وزيد مدع على القولين ولا يختلف موجبهما غالبا ، وقد يختلف كالمذكور بقوله .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولا يخفى ما فيه ) أي الأخذ ( قوله : وحيث علما به يساوي أخذ مال غريم الغريم ) ( قوله : فليكن المقيس مثله ) ويؤخذ منه أن له كسر باب غريم الغريم ونقب [ ص: 339 ] جداره ( قوله : معصوما ) خرج به الحربي والمرتد



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : ولعمرو على بكر مثله ) هل المراد المثلية في أصل الدينية لا في الجنس والصفة أو حقيقة المثلية بحيث يجوز تملكه لو ظفر به من مال غريمه ، وإذا قلنا بالثاني فهل له أخذ غير الجنس من مال غريم الغريم ؟ تردد فيه الأذرعي [ ص: 338 ] قوله : وتنزيل مال الثاني منزلة مال الأول ) أي في اشتراط كون صاحبه جاحدا ولا بينة إلخ كما يعلم مما يأتي في الشرح ( قوله : من زعم أن له ) أي لعمرو ( قوله ووافق بكرا إلخ ) وكذا إذا كان الراد بكرا فقط ( قوله : أنه لما إن كان رد عمرو إلخ ) هو مجرد تكرير لما قبله فالأصوب حذفه إلى قوله أن عمرا علم بالأخذ ( قوله : وأفهم قوله ) أي في الروضة ( قوله : إذ قد يعلم الأخذ قبل أخذه ) لم أفهم لهذا معنى فليتأمل ( قوله : إن أراد أنه يؤخذ إلخ ) ليس في نسخ الشرح لهذا الشرط جواب ( قوله : وأيضا يؤخذ منه تنزيل مال غريم الغريم إلخ ) أي حسب ما ذكره الشارح الجلال فيما مر ( قوله : والأخذ من مال الغريم ) انظر معناه وما هو معطوف عليه ( قوله : وأن الأخذ منه مشروط بكونه جاحدا أو مماطلا ) انظره مع قول الروضة المار .

                                                                                                                            ولا يمنع من ذلك رد عمرو إقرار بكر له ( قوله على أنه يمكن أن يقال إلخ ) هذا كلام لا معنى له هنا إذ لم يتقدم في كلامه ذكر لزوم ، ثم قوله وإلا فالتصوير المذكور يعلم منه إلخ هو عين ما قدمه عن الشارح الجلال وتعقبه بما مر .

                                                                                                                            وعذره بأنه لما نقل الكلام المتقدم عمن نقله عنه [ ص: 339 ] ذكر بعده كلام الشهاب ابن حجر برمته من غير تأمل فوقع له ما ذكر .

                                                                                                                            وحاصل ما قرره الشهاب ابن حجر أنه لما ذكر التصوير المار أول السوادة في قول الشارح كأن يكون لزيد على عمرو إلخ ، قال عقبه ما نصه : وشرط المتولي أن لا يظفر بمال الغريم وأن يكون غريم الغريم جاحدا ممتنعا أيضا ، إلى أن قال : ومن ثم لو خشي أن الغريم يأخذ منه ظلما لزمه فيما يظهر إعلامه ليظفر من مال الغريم بما يأخذه منه ، ثم قال : ثم التصريح بذلك اللزوم : أي في قوله لزمه فيما يظهر إعلامه هو ما ذكره شارح وهو زيادة إيضاح ، وإلا فالتصوير المذكور يعلم منه علم الغريمين أما علم الغريم إلى آخره ما ذكره الشارح هنا فاعلم ذلك ( قوله ويعتبر فيه كونه معينا ) لعله يخرج به ما إذا قال جماعة أو واحد منهم مثلا ندعي على هذا أنه ضرب أحدنا أو قذفه مثلا ، وقوله معصوما الظاهر أنه يخرج به غير المعصوم على الإطلاق : أي الذي ليس له جهة عصمة أصلا وهو الحربي لا غير كما قد يؤخذ من حواشي ابن قاسم : أي بخلاف من له عصمة ولو بالنسبة لمثله كالمرتد والزاني المحصن وتارك الصلاة ، وأما قول الشيخ خرج به الحربي والمرتد فيقال عليه أي فرق بين المرتد ونحو الزاني المحصن بالنسبة للعصمة وعدمها ( قوله : وهو براءة الذمة ) في هذا قصور إذ هو خاص بالأموال فلا يتأتى في مثل دعوى النكاح كما لا يخفى ( قوله : المتصف بما مر ) أي الذي من جملته التكليف ، ولعل مراده المدعى عليه الذي تجري فيه جميع الأحكام التي من جملتها الجواب والحلف وإلا فنحو الصبي يدعى عليه لكن لإقامة البينة كما مر ( قوله : وهذه القاعدة ) يعني كون البينة على المدعي واليمين على [ ص: 340 ] المدعى عليه




                                                                                                                            الخدمات العلمية