الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو وقع صيد في ملكه ) اتفاقا أو بما يحل له الانتفاع به ولو بعارية كسفينة كبيرة ( وصار مقدورا عليه بتوحل وغيره لم يملكه في الأصح ) إذ لا يقصد بمثله الاصطياد والقصد مرعي في التمليك ، نعم يصير أحق به من غيره ، والثاني يملكه كالشبكة ، ومحل ما ذكره المصنف ما لم يقصد به الاصطياد ، فإن قصده به واعتيد ذلك ملكه ، وعليه يحمل ما نقله المصنف هنا في الروضة عن الإمام وغيره وإن لم يعتد الاصطياد به فلا ، وعليه يحمل ما نقله في إحياء الموات عن الإمام أيضا ، ولو أغلق على الصيد باب البيت مثلا لئلا يخرج ملكه إن أغلقه عليه من له يد لا من لا يد له على البيت ولو عشش في أرضه وباض وفرخ لم يملكه كبيضه وفرخه لأن مثل ذلك لا يقصد به الاصطياد ويكون أحق به ، فإن قصد ببنائه ذلك واعتيد الاصطياد به ملكه نظير ما مر ( ومتى ملكه لم يزل ملكه ) عنه ( بانفلاته ) كما لو أبق العبد ، ومن أخذه لزمه رده له وإن توحش ( وكذا بإرسال المالك له في الأصح ) لأن رفع اليد لا يقتضي زوال الملك كما لو سيب دابته ، بل لا يجوز ذلك لأنه يشبه السوائب في الجاهلية ، وقد قال الله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } ولأنه قد يختلط بالمباح فيصاد ، وسواء قصد بذلك التقرب إلى الله تعالى أم لا .

                                                                                                                            والثاني يزول كعتق عبده ، ومحل كلامه في غير المحرم .

                                                                                                                            أما لو أحرم وفي ملكه صيد فإنه يلزمه إرساله ويزول عنه ملكه .

                                                                                                                            ويستثنى من عدم الجواز ما إذا خيف على ولده بحبس ما صاده فيتجه وجوب إرساله صيانة لروحه كما يشهد لذلك حديث الغزالة التي أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أولادها لما استجارت به ، وحديث الحمرة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برد فرخها [ ص: 127 ] عليها ، والحديثان صحيحان ، لكن نقل الحافظ السخاوي عن ابن كثير أنه لا أصل له وأن من نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب ، ثم قال الحافظ : إنه ورد في عدة أحاديث يقوي بعضها بعضا ، نعم لو صاد الولد وكان مأكولا لم يتعين إرساله بل له ذبحه ، ومحل ما مر من الحرمة ما لم يقل مرسله أبحته ، فإن قال ذلك وهو مطلق التصرف وإن لم يقل لمن يأخذه حل لمن أخذه أكله بلا ضمان ، ولا ينفذ تصرفه فيه ببيع ونحوه ولا بإطعام غيره منه خلافا لما بحثه بعض المتأخرين ، ويحل أخذ كسر الخبز والسنابل ونحوها المطروحة من مالكها المعرض عنها وإن تعلق بها الزكاة وينفذ تصرفه فيها بالبيع وغيره ، نعم محل جواز أخذ ذلك كما هو واضح ما لم تدل قرينة على عدم رضا المالك بذلك كأن وكل من يلتقطه له ، وبه يعلم أن مال المحجور لا يملك منه شيء بذلك لعدم تصور إعراضه ، ولو أخذ جلد ميتة أعرض عنه صاحبه ودبغه ملكه ويزول اختصاص المعرض عنه ، ولو وجد درة غير مثقوبة [ ص: 128 ] في جوف سمكة ملكها الصائد لها من بحر الدر إن لم يبعها ، فإن باعها فللمشتري تبعا لها كما نقله في الروضة عن التهذيب وهو المعتمد ، فإن كانت مثقوبة فللبائع إن ادعاها وإلا فلقطة

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : من له يد ) أي ولو بغصب ( قوله : وباض وفرخ لم يملكه ) أي والحال أنه لم يقصد بالبناء الاصطياد أخذا من قوله الآتي فإن قصد ببنائه إلخ ( قوله ملكه ) أي الصيد وبيضه وفرخه ( قوله : { ما جعل الله من بحيرة } ) قال البيضاوي في تفسير الآية : وهي الناقة التي تلد خمسة أبطن آخرها ذكرا كانوا يبحرون أذنها : أي يشقونها ويخلون سبيلها فلا تركب ولا تحلب ، وكان الرجل منهم يقول : إذا شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها ، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم ، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدتهما قالوا وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر ، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ، ولا يمنعوه من ماء ولا مرعى وقالوا قد حمى ظهره ، وأشار بقوله وكان الرجل منهم إلخ إلى تعريف السائبة ، وبقوله وإن ولدتهما وصلت إلى تعريف الوصيلة ، وبقوله وإذا نتجت إلخ إلى تعريف الحام ( قوله : ولأنه قد يخلط بالمباح فيصاد ) أي وهو يؤدي إلى الاستيلاء على ملك الغير بغير إذنه ( قوله ويزول ) أي بمجرد الإحرام ( قوله : فيتجه وجوب إرساله ) أي ومع ذلك لا يزول ملكه عنه بل هو باق على ملكه ( قوله : وحديث الحمرة ) بضم المهملة فميم مشددة ، وقد تخفف طائر كالعصفور ا هـ حج .

                                                                                                                            وعبارة سيرة الشامي : روى أبو داود الطيالسي وأبو نعيم وأبو الشيخ في كتاب العظمة والبيهقي واللفظ له عن ابن مسعود قال : { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما ، فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تفرش : يعني تقرب من الأرض وترفرف بجناحها ، فقال من فجع هذه بفرخيها ، قال [ ص: 127 ] فقلنا نحن ، قال ردوهما ، فرددناهما إلى موضعهما فلم ترجع } ا هـ ( قوله : والحديثان صحيحان ) نقل ذلك حج عن الزركشي ( قوله : ومحل ما مر من الحرمة ) أي حرمة الإرسال ( قوله ما لم يقل مرسله أبحته ) أي سواء قال لمن يأخذه أم لا ( قوله : حل لمن أخذه أكله ) هذا لا يصلح جوابا لقوله ومحل ما مر من الحرمة إلخ ، وإنما جوابه أن يقول : حل لقاتل ذلك إرساله ولمن أخذه أكله ، واقتصاره على حل الأكل لآخذه لا يستلزم حل الإرسال بل قد يقتضي بقاء حرمة الإرسال فليراجع .

                                                                                                                            وكتب أيضا لطف الله به : قوله حل لمن أخذه أكله : أي فقط ، وخرج بأكله أكل ما تولد منه فلا يجوز لأن الإباحة لم تتناوله فيرسله لمن يأخذه .

                                                                                                                            وكتب أيضا لطف الله به : قوله حل لمن أخذه أكله : أي فإن كان الصيد غير مأكول فينبغي أن لمن أخذه الانتفاع به من الوجه الذي جرت العادة بالانتفاع به منه .

                                                                                                                            وكتب أيضا لطف الله به : قوله حل لمن أخذه أكله ومثله عياله فيما يظهر بل والتصدق به على من يأكله قياسا على ما يدفع للغني من لحم الأضحية فإنه يتصرف فيه بغير البيع ونحوه فيتصدق منه ويطعم الضيف ، لكن قضية قوله ولا بإطعام غيره منه حرمة ذلك ، وعليه فانظر الفرق بينه وبين لحم الأضحية ، ولعله أنه هنا باق على ملك صاحبه ، بخلاف لحم الأضحية فإن المهدى إليه يملكه ملكا مراعى ( قوله ويحل أخذ كسر الخبز ) أي وإن كان الآخذ غير مميز ولم يأمره غيره بذلك ويملكه بأخذه ، وحيث أمره غيره ملكه الآمر وإن أذن له إذنا عاما كأن قال له التقط من السنابل ما وجدته أو تيسر لك وتراخى فعل المأذون له عن إذن الآمر ، ولو أذن له أبواه مثلا كان ما التقطه منها ملكا لهما ما لم يقصد الأخذ لنفسه ( قوله المطروحة من مالكها ) أي وإن علم من المالك عدم إخراج الزكاة عما أخذ منه ذلك لأن هذا مما يقصد الإعراض عنه فكأن الزكاة لم تتعلق به ( قوله : وينفذ تصرفه ) قضية نفوذ التصرف أنه ملكها بنفس الأخذ ، وعليه فلو طلب مالكها ردها إليه لم يجب دفعها له وهو ظاهر ( قوله : أعرض عنه صاحبه ) أي فإن لم يعرض عنه ذو اليد لا يملكه الدابغ له ، ولا شيء له في نظير الدبغ ولا في ثمن ما دبغ به ، وينبغي أنه لو اختلف الآخذ وصاحبه صدق صاحبه لأن الأصل عدم الإعراض ما لم تدل قرينة على الإعراض [ ص: 128 ] كإلقائه على نحو الكوم ( قوله : من بحر الدر ) مجرد تصوير ( قوله : وهو المعتمد ) خلافا لحج فإنه يقول ببقاء الدرة على ملك الصياد ( قوله : فللبائع إن ادعاها ) أي وإن لم تكن لائقة به وبعد ملكه لمثلها



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 126 ] قول المتن لم يزل ملكه عنه ) يستثنى منه ما مر ، وهو ما إذا قطع الشبكة وانفلت وقد نبه على استثنائه في شرح المنهج ( قوله : ولأنه قد يختلط بالمباح ) تعليل لعدم الجواز ( قوله : وسواء ) أي في عدم الملك : أي خلافا لصاحب الإفصاح ( قوله : على ولده ) فيه تقديم الضمير على مرجعه ( قوله : الحمرة ) بضم المهملة فميم مشددة وقد تخفف طائر [ ص: 127 ] كالعصفور ( قوله : إنه لا أصل له ) يعني حديث الغزالة كما أوضحه في التحفة ( قوله : ثم قال الحافظ ) لعل أل فيه للعهد الذكري : أي السخاوي : أي قال ذلك بعد نقله عن ابن كثير ما ذكر بقصد الرد عليه فليراجع ( قوله : لم يتعين إرساله ) قضيته أنه يجوز ( قوله : ولا بإطعام غيره منه ) هذا ظاهر فيما لو قال أبحته لمن يأخذه .

                                                                                                                            أما لو اقتصر على قوله أبحته فلا وكلام التحفة كالصريح في التفرقة فليراجع




                                                                                                                            الخدمات العلمية