الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن أبا موسى الأشعري جاء يستأذن على عمر بن الخطاب فاستأذن ثلاثا ثم رجع فأرسل عمر بن الخطاب في أثره فقال ما لك لم تدخل فقال أبو موسى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاستئذان ثلاث فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع فقال عمر ومن يعلم هذا لئن لم تأتني بمن يعلم ذلك لأفعلن بك كذا وكذا فخرج أبو موسى حتى جاء مجلسا في المسجد يقال له مجلس الأنصار فقال إني أخبرت عمر بن الخطاب أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاستئذان ثلاث فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع فقال لئن لم تأتني بمن يعلم هذا لأفعلن بك كذا وكذا فإن كان سمع ذلك أحد منكم فليقم معي فقالوا لأبي سعيد الخدري قم معه وكان أبو سعيد أصغرهم فقام معه فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال عمر بن الخطاب لأبي موسى أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1798 1751 - ( مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ) فروخ المدني ( عن غير ) ، أي أكثر من ( واحد من علمائهم ) ، وصله الشيخان من طريق عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير : ( أن أبا موسى الأشعري جاء يستأذن على عمر بن الخطاب ) ، وفي الصحيحين من طريق يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : " كنت في مجلس من مجالس [ ص: 577 ] الأنصار إذ جاء أبو موسى ، كأنه مذعور " ، ولمسلم : " كنا في مجلس عند أبي بن كعب ، فأتى أبو موسى مغضبا " ، ولأبي داود : " فجاء أبو موسى فزعا ، فقلنا له : ما أفزعك ؟ قال : أمرني عمر أن آتيه فأتيته " ، ( فاستأذن ثلاثا ، ثم رجع ) ، وفي رواية للبخاري : ففرغ عمر - أي : مما كان مشغولا به - فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له ؟ قيل : إنه رجع .

                                                                                                          ( فأرسل عمر بن الخطاب في أثره ) ، بفتحتين وبكسر ، فسكون ، أي : قرب رجوعه ، ( فقال : ما لك لم تدخل ؟ ) ، وفي رواية : " ما منعك أن تأتيني وقد دعوتك " ؟ فقال ( أبو موسى ) : زاد في رواية : " استأذنت ثلاثا ، فلم يؤذن لي فرجعت " ، ( سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الاستئذان ثلاث ) من المرات ، ( فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع ) ، قيل : لأن الكلام إذا كرر ثلاثا سمع وفهم غالبا .

                                                                                                          ولمسلم من طريق بردة : " جاء أبو موسى إلى عمر فقال : السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس ، فلم يؤذن له ، فقال : السلام عليكم هذا أبو موسى ، فلم يؤذن له ، فقال : السلام عليكم هذا الأشعري ، ثم انصرف " ، قال الحافظ : يؤخذ من صنيع أبي موسى حيث ذكر اسمه أولا وكنيته ثانيا ، ونسبته ثالثا ، أن الأولى هي الأصل ، والثانية إذا جوز أن يكون التبس على من استأذن عليه ، والثالثة إذا غلب على ظنه أنه عرفه .

                                                                                                          وقال القرطبي : ما فعله أبو موسى أولى ؛ لأنه إن كان توقيفا فهو المطلوب ، وإن لم يكن توقيفا فقول راوي الحديث أولى من قول غيره ، انتهى .

                                                                                                          وعند أبي داود ، فقال : يستأذن أبو موسى ، ثم قال ثانيا : يستأذن الأشعري ، ثم ثالثا : يستأذن عبد الله بن قيس ، وهذا مخالف لرواية مسلم ، وجمع بينهما باحتمال أنه جمع بين الاسم والكنية في المرة الأولى ، وفي الثانية : جمع بين الكنية والنسبة ، وفي الثالثة : جمع بين النسبة والاسم ، والتقصير عن ذلك من اختلاف الرواة ، إما لعدم تحققه المتروك ، فروى ما تحقق ، أو لأن أبا موسى حدث تارة بكذا ، وأخرى بكذا باعتبار ما يراه أهم وقت التحديث فروى عنه كل راو ما حدث به .

                                                                                                          ( فقال عمر : ومن يعلم هذا ) معك ( لئن لم تأتني بمن يعلم ذلك ) غيرك ، ( لأفعلن بك كذا وكذا ) في مسلم : " لتقيمن عليه بينة ، وإلا أوجعتك " ، وله أيضا : " فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك ، أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا ، وفي رواية : " لأجعلنك عظة " ، ( فخرج أبو موسى حتى جاء مجلسا في المسجد يقال له مجلس الأنصار ) ، لجلوسهم فيه ( فقال : إني أخبرت عمر بن الخطاب أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : [ ص: 578 ] الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع ، فقال : لئن لم تأتني بمن يعلم هذا لأفعلن بك كذا وكذا ) يتوعده ، ( فإن كان سمع ذلك أحد منكم فليقم معي ، فقالوا ) ، وفي رواية للشيخين : " فقال أبي بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم " ، ولمسلم : " فقال أبي : والله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا ، قم يا أبا سعيد " ، فكأن أبيا ابتدأ ذلك ، ووافقوا عليه فنسب للجميع ، فقالوا : ( لأبي سعيد الخدري : قم معه ، وكان أبو سعيد أصغرهم ) ، فأراد بذلك أن هذا الحديث مشهور لكبارهم وصغارهم ، حتى أن أصغرهم يحفظه وسمعه من المصطفى ، ( فقام معه فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ) ، وفي رواية للشيخين : " فأخبرت عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك ، فقال عمر : أخفي هذا علي من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألهاني الصفق بالأسواق " ، يعني الخروج إلى التجارة ؛ لأنه كان يحتاج إليها لأجل الكسب لعياله ، والتعفف عن الناس ، ففيه أن العلم الخاص قد يخفى عن الأكابر ، فيعلمه من دونهم .

                                                                                                          قال ابن دقيق العيد : وذلك يصدق في وجه من يطلق من المقلدين ، إذا استدل عليه بحديث فيقول : لو كان صحيحا لعلمه فلان ، فإذا أخفي ذلك على أكابر الصحابة فغيرهم أولى .

                                                                                                          قال الحافظ : وقد تعلق بذلك من زعم أن عمر كان لا يقبل خبرا لواحد ، ولا حجة فيه ؛ لأنه قبل خبر أبي سعيد المطابق لخبر أبي موسى ، ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد ، وإنما أراد عمر أن يتثبت ، وهذا معلوم من مذهبه .

                                                                                                          وفي رواية أبي بردة : " فقال أبي بن كعب لعمر : يا ابن الخطاب " عند مسلم وعند غيره : " يا عمر لا تكن عذابا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عمر : سبحان الله إنما سمعت شيئا ، فأحببت أن أتثبت " ، ( فقال عمر لأبي موسى : أما إني لا أتهمك ) ، بما قلته لك مما سبق من الألفاظ ، ( ولكني خشيت أن يتقول ) : يكذب ( الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يحتمل أنه كان عنده من قرب عهده بالإسلام ، فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عليه - صلى الله عليه وسلم - عند الرغبة ، والرهبة طلبا للخروج مما دخل فيه ، فأراد بذلك إعلامهم أن كل من فعل شيئا من ذلك ينكر عليه حتى يأتي بالمخرج ، أشار إليه ابن عبد البر .

                                                                                                          زاد غيره : فأراد عمر سد هذا الباب وردع غير أبي موسى لا شكا في روايته ، فإن من دونه إذا بلغته قصته ، وكان في قلبه مرض ، أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبي موسى فالمراد غيره .

                                                                                                          وفي القصة دليل [ ص: 579 ] على ما كان الصحابة عليه من القوة في دين الله ، وقول الحق ، والرجوع إليه وقبوله ، فإن أبيا أنكر على عمر تهديد أبي موسى ، وخاطبه مع أنه الخليفة بيا ابن الخطاب ، أو يا عمر ؛ لأن المقام مقام إنكار .




                                                                                                          الخدمات العلمية