الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( و ) من شروط العلة أيضا ( أن لا تكون وصفا مقدرا ) غير حقيقي ، أي مفروضا لا حقيقة له ، كتعليل جواز التصرف بالبيع ونحوه بالملك . قال الرازي : والحق أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة ، خلافا للفقهاء البصريين . قال صاحب تنقيح المحصول : أنكر الإمام وجمع تصوير التقدير في الشرع ، فضلا عن التعليل به . قال في شرح التحرير : قلت : الفروع الفقهية كثيرة بالتعليل بالأمور التقديرية ، لا يكاد أن يكون عندهم في ذلك خلاف ، وكأنها عندهم بمنزلة التحقيقيات . ألا ترى أن الحدث عندهم وصف وجودي مقدر قيامه بالأعضاء يرفعه الوضوء والغسل ، ولا يرفعه التيمم ونحو ذلك [ ص: 504 ] ( وقد تكون ) العلة ( حكما شرعيا ) عند الأكثر . وذكره أبو الخطاب عن أصحابنا ، وعلله بأنه أمارة ، والعلة التي يحتاج إلى إثباتها في الأصل المتعدية إلى الفرع . وأيضا قد يدور حكم مع حكم ، والدوران علة كما يأتي .

ومنعه آخرون ، قال ابن قاضي الجبل : اختلفوا في تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي ، كقولنا : من صح طلاقه صح ظهاره على أقوال . أحدها : الجواز ، وهو قول أصحابنا ، ذكره أبو الخطاب وطائفة من الأصوليين . وقيل : لا يجوز ، ويعزى إلى بعض المتكلمين وابن عقيل وابن المنى . وقيل : يجوز كونه علة ، بمعنى الأمارة ، لا في أصل القياس ; لأن العلة فيه تكون بمعنى الباعث ، لا بمعنى الأمارة . ا هـ ( وتكون صفة الاتفاق ) في مسألة ( و ) صفة ( الاختلاف ) في أخرى ( علة ) للحكم عند أصحابنا والأكثر ، كالإجماع حادث ، وهو دليل ، والاختلاف يتضمن خفة حكمه ، وعكسه الاتفاق ، كقولنا في المتولد بين الظباء والغنم : متولد من أصلين يزكى أحدهما إجماعا ، فوجب فيه ، كمتولد بين سائمة ومعلوفة . وقول الحنفية في الكلب : مختلف في حل لحمه ، فلم يجب في ولوغه عدد كالسبع . ومنعه بعضهم لحدوثها بعد الأحكام . وقاله القاضي في تعليقه ضمن مسألة النبيذ لنا ( ويتعدد الوصف ويقع ) يعني أنه يجوز التعليل بالوصف المتعدد عندنا وعند الأكثر ، ويسمى الوصف المركب ; لأن الذي يستدل به على العلة المفردة يستدل به على العلة المركبة ، فهما سواء .

وذلك كما نقول في قصاص النفس : قتل محض عدوان وقيل : لا ; لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال . فإنه بانتفاء جزء منه تنتفي عليته ، فبانتفاء آخر يلزم تحصيل الحاصل ; لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية . رد لا نسلم أنه علة ، وإنما هو عدم شرط ، فإن كل جزء شرط للعلية . ولو سلم أنه علة ، فحيث لم يسبقه غيره إلى انتفاء جزء آخر ، كما في نواقض الوضوء .

( وما حكم به الشارع مطلقا ، أو في عين ، أو فعله ) الشارع ( أو أقره ) أي أقر الشارع غيره على فعله ( لا يعلل بمختصة ) أي بعلة مختصة ( بذلك الوقت ; بحيث يزول الحكم مطلقا ) بزوالها ( وقد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل ) قال ابن مفلح : قال بعض أصحابنا - وعنى به [ ص: 505 ] الشيخ تقي الدين - ما حكم به الشارع مطلقا ، أو في عين ، أو فعله ، أو أقره : هل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت ، بحيث يزول الحكم مطلقا ؟ جوزه الحنفية والمالكية ذكره في مسألة التحليل ، وذكره المالكية في حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق ، والضالة المكتومة ، ومانع الزكاة ، وتحريق متاع الغال وهو شبهتهم أن حكم المؤلفة انقطع .

ومنعه أصحابنا والشافعية ، ثم قال بعضهم - يعني به الشيخ تقي الدين أيضا - قد تزول العلة ويبقى الحكم ، كالرمل . وقال بعضهم : النطق حكم مطلق ، وإن كان سببه خاصا فقد ثبتت العلة مطلقا . وهذان جوابان لا حاجة إليهما . واحتج بأن هذا رأي مجرد ، وبتمسك الصحابة ب " نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي " في العام القابل . ومراده : أنه صح عن ابن عمر وأبي سعيد وقتادة بن النعمان ، وقول جابر " كنا لا نأكل ، فرخص لنا " .

التالي السابق


الخدمات العلمية