( ولا ) إجمال أيضا ( في ) قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور ( ونحوه ) ك لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لا نكاح إلا بولي لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل والمراد هنا من هذه الأحاديث ونحوها مما فيه نفي ذوات واقعة : تتوقف الصحة فيها على إضمار شيء . فالجمهور على أنها ليست مجملة ، بناء على القول بثبوت الحقائق الشرعية . فإنه إذا اختل منها شرط أو ركن صح نفيه حقيقة . لأن الشرعي هو تام الأركان متوفر الشروط . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته ارجع فصل . فإنك لم تصل وإذا كان المراد من النفي نفي الحقيقة ، فلا يحتاج إلى إضمار . فلا إجمال ( ويقتضي ذلك ) وهو كونه ليس مجملا ( نفي الصحة ) قال ابن مفلح : وجه عدم الإجمال : أن عرف الشارع فيه نفي الصحة ، أي لا عمل شرعي ، وإن لم يثبت بعرف اللغة ، نحو : لا علم إلا ما نفع ، ولا بلد إلا بسلطان " ولا حكم إلا لله " ولو قدر عدمها ، وأنه لا بد من إضمار . فنفي الصحة أولى . لأنه يصير كالعدم . فهو أقرب إلى نفي الحقيقة المتعذرة . وليس هذا إثباتا للغة بالترجيح ، بل إثباتا لأولوية أحد المجازات ، كالصحة والكمال والإجزاء بعرف استعمال انتهى . وقيل : إنه مجمل . لأنه متردد بين اللغوي والشرعي . وقيل : لأن حمله على نفي الصورة باطل . فتعين حمله على نفي الحكم . والأحكام متساوية ( وعمومه من الإضمار ) أي مبني على دلالة الإضمار على ما تقدم من دلالة الاقتضاء . والإضمار على الصحيح . وقيل : عام في نفي الوجود والحكم . وقيل : عام في نفي الصحة والكمال ( ومثله ) أي مثل قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات قال الطوفي في شرحه : قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات من هذا الباب . لأن الأعمال مبتدأ ، وخبره محذوف . واختلفوا : هل هو الصحة ؟ فيكون التقدير : إنما الأعمال صحيحة ، أو الكمال ؟ فيكون تقديره : إنما الأعمال كاملة . قال : والأظهر إضمار الصحة ( وما استعمل ) أي وأي لفظ استعمل ( لمعنى ) واحد ( تارة ) واستعمل ( لآخرين ) تارة ( أخرى . [ ص: 433 ] ولا ظهور ) في واحد منها مجمل في ظاهر كلام أصحابنا . وقاله الغزالي وابن الحاجب وجمع . وقال الآمدي : ظاهر في المعنيين . وحكاه عن الأكثر . وجه إجماله : تردده بين المعنى والمعنيين . ومحله : إذا لم تقم قرينة على المراد . وفي المسألة قول ثالث . وهو أن ينظر : إن كان المعنى أحد المعنيين عمل به جزما ، لوجوده في الاستعمالين . ويوقف الآخر للتردد فيه . وهذا اختيار التاج السبكي في جمع الجوامع . قال المحلي : هذا ما ظهر له ، والظاهر : أنه مرادهم أيضا . ثم قال : مثال الأول : حديث رواه مسلم لا ينكح المحرم ولا ينكح بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء . فإنه إن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد وهو أن المحرم لا يطأ ولا يوطأ أي لا يمكن غيره من وطئه . وإن حمل على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشترك ، وهو أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره . ومثال الثاني : حديث مسلم أيضا " الثيب أحق بنفسها من وليها أي بأن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها فيعقد لها ولا يجبرها . وقد قال بصحة عقدها لنفسها أبو حنيفة ، وبعض أصحاب الشافعي ، لكن إذا كانت في مكان لا ولي فيه ولا حاكم ( وما له ) أي وأي لفظ له ( مجمل ) لغة وشرعا ، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة فإنه يحتمل أنه كالصلاة في الأحكام . ويحتمل أنه صلاة لغة .
لأن معناها لغة : الدعاء . فسمي صلاة ، لما فيه من الدعاء . فعند أصحابنا وأكثر العلماء : يحمل على المحمل الشرعي . لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لتعريف الأحكام لا اللغة . وفائدة التأسيس أولى . وأيضا ليس في الطواف حقيقة الصلاة الشرعية . فكان مجازا . والمراد : أن حكمه حكم الصلاة في الطهارة والنية وستر العورة وغيرها . ويدل على ذلك قوله في بقية الحديث إلا أن الله أحل فيه الكلام فدل على أن المراد كونه صلاة في الحكم إلا ما استثني ، ولأنه إذا تعذر المسمى الشرعي للفظ حقيقة رد إليه بتجوز ، محافظة على الشرعي ما أمكن . وقيل : إن ذلك مجمل لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي ، أو يحمل على المعنى اللغوي ، تقديما للحقيقة على المجاز .


