الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - الموجب : وما آتاكم الرسول .

            أجيب بأن المعنى : ما أمركم لمقابلة وما نهاكم . قالوا : " فاتبعوه " .

            أجيب : في الفعل على الوجه الذي فعله ، أو في القول ، أو فيهما .

            قالوا : " لقد كان " إلى آخرها . أي من كان يؤمن فله فيه أسوة .

            قلنا : معنى التأسي : إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله .

            التالي السابق


            ش - لما فرغ من إثبات مذهبه فيما لا تعلم صفته ، شرع في تقرير دلائل القائلين بالوجوب فيما لا تعلم صفته .

            ولما كان دلائلهم من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، اعتبر الترتيب بينها ، فذكر أولا الدلائل المأخوذة من الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس .

            أما المأخوذة من الكتاب : [ ص: 491 ] فمنها : قوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه . والتمسك به أنه أمر بأخذ ما أتى به الرسول ، أي بإمساك ما أتى به . لأن الأخذ ههنا هو الامتثال مجازا . والأمر للوجوب ، فيكون امتثال ما أتى به الرسول واجبا . ومن جملة ما أتى به فعله الذي لم تعلم صفته ، فيكون امتثاله واجبا .

            أجاب المصنف عنه بأن قوله تعالى : وما آتاكم الرسول بمعنى ما أمركم . والذي يدل على ذلك أنه ذكر في مقابلة قوله : وما نهاكم والأمر لا يتناول الفعل فلا يكون الفعل الذي لم تعلم صفته واجبا .

            ومنها : قوله تعالى : فاتبعوه فإنه يدل على وجوب متابعته . والمتابعة هي الإتيان بمثل فعله ، فيكون مثل فعله واجبا .

            أجاب عنه بأن المراد بالمتابعة هي المتابعة في الفعل على الوجه الذي فعله ، أي إن كان الرسول فعله على قصد الوجوب ، كانت المتابعة هي الإتيان بالفعل على قصد الوجوب ، وإن كان على قصد الندب ، فالمتابعة هي الإتيان على قصد الندب . أو المراد من المتابعة هي المتابعة في القول ، وهي الامتثال لقوله . أو المراد المتابعة في الفعل والقول معا .

            وعلى التقادير لم يلزم وجوب الفعل الذي لم تعلم صفته . أما على التقدير الأول والثالث فلأن الاتباع في الفعل على الوجه الذي فعله ، إنما يتصور إذا علم صفة الوجوب . وأما على التقدير الثاني فلأن المتابعة في القول لا يستلزم وجوب الفعل الذي لم تعلم صفته .

            [ ص: 492 ] ومنها : قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر يفهم من ظاهر الآية أن التأسي بالرسول - عليه السلام - من لوازم رجاء الله واليوم الآخر ، [ ورجاء الله واليوم الآخر ] هو الإيمان بهما . فيكون مضمون الآية راجعا إلى جملة شرطية . فكأنه قال : من كان يؤمن بالله واليوم [ الآخر ] فله أسوة حسنة في رسول الله . فوجب التأسي بفعل النبي - عليه السلام - ; لأنه لو لم يكن التأسي واجبا ، لجاز تركه . والتالي باطل ، فالمقدم مثله .

            أما الملازمة فظاهرة ; لأن ما ليس بواجب يجوز تركه .

            وأما بيان انتفاء التالي ; فلأنه لو جاز ترك التأسي به ، لجاز ترك الإيمان بالله واليوم الآخر . والتالي باطل ، وإلا يلزم جواز الكفر ، فيلزم بطلان المقدم .

            بيان الملازمة أن التأسي به لازم للإيمان بالله واليوم الآخر ، وجواز ترك اللازم يستلزم جواز ترك الملزوم .

            أجاب المصنف عنه بأن المعنى من التأسي ; إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله . فلا يتصور وجوب التأسي في الفعل الذي لم تعلم صفته .

            [ ص: 493 ]



            الخدمات العلمية