الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - لنا : لو كان ذاتيا - لما اختلف ، وقد وجب الكذب إذا كان فيه عصمة نبي ، والقتل والضرب وغيرها .

            [ ص: 292 ] وأيضا لو كان ذاتيا - لاجتمع النقيضان في صدق من قال : لأكذبن غدا ، وكذبه .

            التالي السابق


            ش - لما فرغ من تحرير المبحث ، احتج بالدليلين على أن الحسن والقبح ليسا بذاتيين للفعل .

            الأول : لو كان الفعل يقتضي الحسن أو القبح لذاته أو لوصف هو مقتضى ذاته ، لما اختلف ، أي لما صار الفعل الحسن قبيحا وبالعكس . والتالي باطل ، فالمقدم مثله .

            بيان الملازمة أن طبيعة الفعل إذا اقتضى الحسن لذاته أو لوصف هو مقتضاه ، لتحقق الحسن عند تحقق الفعل ; لأن مقتضى الذات لا يتخلف عنها . ولو كان كذلك امتنع أن يصير قبيحا .

            وأما بطلان التالي; فلأن الكذب قد يكون حسنا . وذلك حيث يكون متضمنا لعصمة نبي .

            وكذلك القتل والضرب . وذلك حيث يكون القتل للقصاص والضرب للحد .

            الثاني أنه لو كان الحسن والقبح ذاتيين للفعل ، لاجتمع النقيضان في صدق قول من قال : لأكذبن غدا ، وكذا في كذبه ، والتالي باطل فالمقدم مثله .

            بيان الملازمة أنه إذا قال : لأكذبن غدا ، فلا يخلو إما أن يكذب غدا أو يصدق .

            [ ص: 293 ] فإن كان الأول يلزم قبحه لكونه كذبا ، وحسنه أيضا لكونه مستلزما لصدق الخبر الأول . والمستلزم للحسن حسن ، فيجتمع في الخبر الثاني الحسن [ واللا حسن ، ] وهو اجتماع النقيضين .

            وإن كان الثاني يلزم أيضا حسن الخبر الثاني من حيث إنه صدق ، وقبحه من حيث إنه مستلزم لكذب الخبر الأول فيلزم اجتماع النقيضين .

            واعلم أن الدليلين يدلان على إبطال مذهب القدماء . ومذهب القائلين بكون الفعل لصفة [ ذاتية ] تقتضي الحسن أو القبح .

            ولا يدلان على إبطال مذهب الجبائية . وقيل على الأول لا نسلم انتفاء التالي . وذلك لأن عصمة النبي قد تحصل بدون الكذب بأن تأتي بصورة الإخبار من غير قصد إليه ، أو مع قصد إليه ولكن مع التعريض .

            ثم لو قدر أنه لا يحصل عصمة النبي إلا مع الكذب ، فلا نسلم أن الكذب حسن ههنا . وكون عصمة النبي حسنا لا يستلزم حسن الكذب المؤدي إليه .

            [ ص: 294 ] أجيب عنه بأن الإتيان بصورة الإخبار على وجه يفهم الخبر من غير قصد إلى الإخبار ، أمر لا يعقل ولا يتصور . ولأن فهم المعنى يتعلق بالإرادة والقصد .

            وأما التعريض فربما لم يفد ، وحينئذ يتعين صريح الإخبار .

            وأما قوله : " كون عصمة النبي حسنا لا يستلزم حسن الكذب المؤدي إليه " فباطل ; لأن ما لا يحصل الواجب إلا به فهو واجب عقلا عندهم .

            وقيل على الأول أيضا : لم لا يجوز اقتضاء الشيء الأمرين المتنافيين بحسب شرطين متنافيين . فإن الجسم إذا كان في حيزه يقتضي السكون وفي غيره يقتضي الحركة .

            وأجيب بأن محل النزاع هو أن الفعل لذاته ، أو لوصف لازم له ، يقتضي الحسن أو القبح . والشرطان المتنافيان يمتنع أن يكون كل واحد منهما وصفا لازما له ; لأن اللازم يمتنع انفكاك الشيء عنه .




            الخدمات العلمية