الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
ولما فرغ من الكلام على تعطيل المنافع ذكر الذوات فقال ( أو ) ( الأذنين ) ففي قطعهما الدية ومذهب المدونة أن فيهما حكومة إذا لم يذهب سمعه ( أو الشوى ) بفتح الشين المعجمة جلد الرأس جمع شواة ، وهي جلدة الرأس فإن أذهب بعضها فبحسابه ( أو ) ( العينين ) الباصرتين أي في قلعهما ، أو طمسهما بأن أغلقت الحدقة الدية وليس هذا مكررا مع قوله سابقا ، أو البصر ; لأن الذاهب فيما تقدم مجرد البصر ، والعين قائمة ، وهنا طمست الحدقة مع ذهاب البصر ، أو قلعت وأتي به للإشارة إلى أنه ليس فيهما دية وحكومة ، وإن كان يعلم من قوله الآتي إلا المنفعة بمحلها ( أو ) ( عين الأعور ) الباصرة إذا تلفت فيها الدية كاملة [ ص: 273 ] ( للسنة ) فقد قضى بذلك عمر وعثمان وعلي وابن عباس ( بخلاف ) ( كل زوج ) كاليدين ، والرجلين ، والأذنين ، والشفتين ( فإن في أحدهما نصفه ) أي نصف الواجب في الزوج ولو لم يوجد إلا ذلك الأحد لذهاب الآخر قبله .

( و ) الدية ( في ) قطع ( اليدين ) من الكوعين ، أو من الساعدين ( و ) في ( الرجلين ) ولو من آخر الفخذ وفي الشفتين ( و ) في ( مارن الأنف ) ، وهو ما لان منه دون العظم ( و ) في قطع ( الحشفة وفي ) قطع ( بعضهما بحسابها ) أي الدية ( منهما ) أي من المارن ، والحشفة فيقاس مما فيه الدية منهما ( لا ) يقاس ( من أصله ) أي من أصل المارن ، أو الحشفة وأصل الأول الأنف ، والثاني الذكر ; لأن بعض ما فيه الدية إنما ينسب إليه لا إلى أصله ( وفي الأنثيين مطلقا ) أي سلهما ، أو قطعهما ، أو رضهما فلو قطعهما مع الذكر فديتان ( وفي ذكر العنين قولان ) بالدية ، والحكومة ، والراجح الدية .

( و ) الدية الكاملة ( في شفري المرأة إن بدا العظم ) من فرجها ، وإلا فحكومة وفي أحدهما إن بدا العظم نصفها ، والشفران بضم الشين المعجمة وسكون الفاء اللحمان المحيطان بالفرج المغطيان له ( وفي ثدييها ) بطل اللبن أم لا ( أو حلمتيهما ) أي الثديين وفي بعض النسخ حلمتها بالإفراد أي المرأة الدية ( إن بطل اللبن ) ، أو فسد ، وكذا إن بطل ، أو فسد بغير قطع فإن عاد ردت ما أخذت ( واستؤني بالصغيرة ) التي لم تبلغ إذا قطع ثدياها ، أو حلمتهما لتختبر هل بطل لبنها أم لا .

( و ) استؤني في قلع ( سن الصغير الذي لم يثغر ) بضم التحتية وسكون المثلثة أي لم تسقط رواضعه ( للإياس ) [ ص: 274 ] في الخطإ ( كالقود ) في العمد فإن نبتت فلا كلام ( وإلا ) تنبت ( انتظر ) بالعقل ، أو القود ( سنة ) كاملة فقوله ، وإلا شرط في مقدر تقديره فإن نبتت كان عليه أن يصرح به ، والمعنى إن حصل يأس قبل السنة انتظر تمامها ، وإن مضت سنة قبل الإياس انتظر الإياس فينتظر أقصى الأجلين وليس المراد ما يفيده ظاهره من أن معناه ، وإن لم يحصل إياس انتظر سنة لما علمت أنه إذا مضت سنة ولم يحصل إياس انتظر الإياس فإن مات قبل الإياس وتمام السنة لم يقتص من الجاني ; إذ لا قصاص بالشك .

( وسقطا ) أي القصاص ، والدية ( إن عادت ) سن الصغير لهيئتها قبل قلعها ( وورثا إن مات ) أي إن مات الصغير بعد تمام السنة واليأس أي فورثته يستحقون ماله من قود ، أو دية ( وفي عود السن أصغر ) مما كانت عليه ( بحسابها ) فإن نقص نصفها فنصف ديتها كما في نقص السمع ولا يقوم عبدا سليما ومعيبا كما تقدم في الحكومة

التالي السابق


( قوله : ففي قطعهما الدية ) أي ففي مجرد قطعهما بدون ذهاب سمع الدية ( قوله : ومذهب المدونة أن فيهما حكومة ) أي ، وهو المشهور كما قاله ابن عرفة وما قاله المصنف من وجوب الدية في مجرد قطعهما فقد تبع فيه تصحيح ابن الحاجب انظر بن ( قوله : إذا لم يذهب سمعه ) أي ، وإلا ، فالدية اتفاقا ( قوله : أو الشوى ) يعني أن من فعل بشخص فعلا أذهب به جلد رأسه بتمامه فإنه يلزمه دية كاملة وأما إن أذهب بعضها فعليه بحسابه من الدية الكاملة وقيل يلزمه حكومة ( قوله جلد الرأس ) بتمامه وقوله جلدة الرأس أي القطعة من جلدها ( قوله : أي في قلعهما ) أي إخراجهما من محلهما وتصييرهما بارزتين كالزر وقوله ، أو طمسهما أي فقئهما ( قوله بأن أغلقت الحدقة ) أي بفقئها ، وهذا تفسير للطمس ( قوله ليس فيهما ) أي في طمس الحدقة وذهاب البصر دية وحكومة أي بل الواجب فيهما دية فقط [ ص: 273 ] قوله : للسنة ) بحث فيه بعضهم بأن ظاهر السنة مع المخالف القائل في العين الواحدة نصف الدية سواء كانت عين صحيح ، أو أعور لعموم ما في كتاب عمرو بن حزم الذي أرسله له النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ذكر له فيه أن في العين الواحدة نصف الدية ، وهذا عام في عين الأعور ، والصحيح وأجيب بأن فعل الصحابة خصص عموم الحديث ( قوله بخلاف كل زوج ) فإن في أحدهما نصفه دخل في هذا الأنثيان أيضا كما دخل ما ذكره الشارح ففي إحداهما نصف الدية سواء قطعها ، أو سلها ، أو رضها ، والفرق بين عين الأعور ، والواحد من كل زوج مما ذكر أن العين تقوم مقام العينين في معظم الغرض بخلاف إحدى اليدين ، والرجلين مثلا فلذا ألزم في عين الأعور دية كاملة وفي الواحد من كل زوج نصفها وأيضا عين الأعور وردت السنة بالدية كاملة فيها بخلاف غيرها ( قوله : ولو من آخر الفخذ ) أي هذا إذا قطعهما من الكعبين ، أو من الركبتين بل ولو قطعهما من آخر الفخذين ( قوله : وفي مارن الأنف ) أي ، والدية كاملة في مارن الأنف وفي الحشفة أي ، وهي رأس الذكر وفي قطع ما بقي منهما بعد ذلك حكومة فلو قطع الأنف ، أو الذكر من أصله ابتداء فدية فقط ( قوله : فيقاس ) أي ذلك البعض الذي قطع منهما أي من المارن ، والحشفة مما فيه الدية ( قوله : لا يقاس ) أي ذلك البعض المقطوع أي لا ينسب ذلك البعض لأصل المارن ، والحشفة ، وإنما ينسب لنفس المارن ، والحشفة ( قوله : فلو قطعهما مع الذكر فديتان ) أي سواء قطعهما في مرتين ، أو في مرة واحدة كما في المواق ، وهذا إن فعل ذلك بحر فإن فعله بعبد أدب في العمد ولا غرم إن لم ينقصه فإن نقصه غرم أرش نقصه ( قوله : وفي ذكر العنين ) ، وهو من لا يتأتى له به جماع لصغره ، أو لعدم إنعاظه لكبر ، أو علة عن جميع النساء وقوله قولان أي لمالك قال في الذخيرة للذكر ستة أحوال تجب الدية في ثلاثة وتسقط في حالة وتختلف في اثنتين ، فالثلاثة التي تجب فيها الدية قطعه جملة ، أو قطع الحشفة وحدها ، أو أبطل النسل منه بطعام ، أو شراب ، وإن لم يبطل الإنعاظ وتسقط الدية إذا قطع بعد قطع الحشفة وفيه حكومة ويختلف إذا قطع ممن لا يصح منه النسل ، وهو قادر على الاستمتاع ، أو عاجز عن إتيان النساء لصغر ذكره ، أو لعلة كالشيخ الفاني فقيل دية وقيل حكومة ، والقولان لمالك ( قوله ، والراجح الدية ) أي وأما ذكر المعترض عن بعض النساء ففيه الدية اتفاقا وفي ذكر الخنثي المشكل نصف دية ونصف حكومة ; لأنه على احتمال ذكوريته فيه دية كاملة وعلى احتمال أنوثته فيه حكومة ، والمراد بالحكومة هنا ما يجتهد فيه الإمام لهذا العداء لا ما سبق في تقويمه ; لأن قطع ذكر المرأة لا ينقصها ( قوله : وفي ثدييها ) أي وفي قطع ثدييها أي المرأة الدية وأما قطع ثدي الرجل ففيه حكومة لا دية ( قوله : إن بطل اللبن ) أي بأن انقطع وقوله ، أو فسد أي بأن صار دما ، وهذا شرط في قطع الحلمتين فإن قطعهما ولم يبطل اللبن ولم يفسد فحكومة ( قوله : وكذا إن بطل ) أي ، وكذا تلزم الدية كاملة إن بطل اللبن ، أو فسد من غير قطع للحلمتين ولا لغيرهما وحينئذ ، فالدية للبن لا لقطع الحلمتين فمن ثم استظهر ابن عرفة أن في قطع حلمتي العجوز حكومة كاليد الشلاء ( قوله : فإن عاد ) أي اللبن لحاله بعد فساده ، أو بعد انقطاعه في مسألة قطع اللبن ، أو إفساده من غير قطع للحلمتين ( قوله : إذا قطع ثدياها إلخ ) فيه أن الدية في قطع الثديين مطلقا سواء بطل اللبن ، أو فسد أولا فلا يحتاج لاستيناء ، فالأولى الاقتصار على قطع [ ص: 274 ] الحلمتين بأن يقول إذا قطع حلمة ثدييها ، والحاصل أنه يستأني في قطع حلمتي الصغيرة بأخذ الدية إلى اليأس من حصول اللبن فإن حصل اللبن في مدة الاستيناء ، فالأمر ظاهر ، وهو عدم الدية لزوم الحكومة ، وإلا أخذت الدية ( قوله : في الخطإ كالقود ) الأوضح أن يقول بأخذ الدية وفي الخطإ كالقود في العمد ( قوله : واستؤني في قلع سن الصغير إلخ ) حاصله أن سن الصغير الذي لم يثغر إذا قلعت عمدا ، أو خطأ فإنه يستأنى بأخذ ديتها في الخطإ وبالقصاص لها في العمد لأقصى الأجلين ، وهما اليأس من عودها ، والسنة من يوم قلعها فكل ما كان أبعد منهما فإنه يستأنى له فإذا حصل اليأس من عودها قبل السنة انتظر تمامها ، وإن مضت سنة بعد قلعها قبل اليأس من عودها انتظر اليأس فقول المصنف واستؤني بسن الصغير لليأس أي إلى أن يحصل يأس من عودها فائت نبتت في مدة الاستيناء قبل اليأس فلا كلام ، وإن حصل اليأس ولم تنبت انتظر تمام سنة من حين قلعها إذا حصل اليأس قبل السنة هذا محصل كلام الشارح ( قوله : شرط في مقدر إلخ ) الأولى مقابل لمقدر هذا ، والأحسن أن يقال في حل المتن أن المعنى واستؤني في قلع سن صغير لم يثغر للإياس أي للسن الذي تنبت فيه ، وإلا بأن جاوز السن الذي تنبت فيه ولم تنقض سنة انتظرت بقية السنة ووجبت الدية في الخطإ ، والقصاص في العمد .

( قوله : فينتظر أقصى الأجلين ) أي وتجعل الدية في الخطإ حال الانتظار تحت يد أمين إلا أن يكون الجاني مأمونا كما في بن عن اللخمي ( قوله : فإن مات ) أي الصغير المجني عليه بقلع سنة ( قوله : لم يقتص من الجاني ) أي إذا كان متعمدا وأما إن كان مخطئا فتؤخذ منه الدية ( قوله وورثا ) أي القود ، والدية إن مات أي الصغير قبل نبات سنة وبعد تمام السنة ، واليأس .

( قوله وفي عود السن ) أي سن الصغير التي قلعت قبل إثغاره ( قوله أصغر ) أي وأما إذا عادت أكبر مما كانت ، فالظاهر أن فيها حكومة قاله عبق




الخدمات العلمية