الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
تكررت إن قصد تكرر الحنث ، [ ص: 35 ] أو كان العرف : كعدم ترك الوتر ، أو نوى كفارات ، أو قال لا ولا ، [ ص: 36 ] أو حلف أن لا يحنث ، أو بالقرآن ، والمصحف ، والكتاب ، أو دل ، لفظه بجمع ، أو بكلما ، أو مهما ، لا متى ما ، [ ص: 37 ] و والله ، ثم والله وإن قصده ، والقرآن ، والتوراة ، والإنجيل ، [ ص: 38 ] ولا كلمه غدا وبعده ثم غدا

التالي السابق


( وتكررت ) الكفارة ( إن قصد ) الحالف ( تكرر الحنث ) بيمين واحدة كقوله : والله [ ص: 35 ] لا يكلم فلانا ونوى أنه كلما كلمه يحنث فتتكرر الكفارة بتكرر كلامه ، وقوله : أنت طالق إن خرجت إلا بإذني فخرجت مرة بغير إذنه و طلقت واحدة وراجعها وخرجت ثانيا بغير إذنه طلقت أيضا واحدة ، فإن راجعها وخرجت بلا إذنه طلقت أيضا إن كان نوى كلما خرجت بغير إذني إلى تمام العصمة المعلق فيها ، وإلا فلا تلزمه غير الأولى ، قاله ابن المواز ، وكقوله : والله لا أكلم فلانا عشرة أيام ناويا تكرر الحنث ، وكلمه مرة بعد أخرى فتتعدد عليه الكفارة بعدد التكليم ، وإن لم ينو ذلك فلا تتعدد نقله اللخمي عن ابن القاسم .

( أو كان ) تكرر الحنث ( العرف ) أي كانت دلالة يمينه على تعدد الكفارة مستفادة من العرف لا من اللفظ ولا من النية أي أن العرف في مثله يقتضي أن لا يريد قصر الحنث على مرة ( ك ) علقه على ( عدم ترك ) شيء متكرر ك ( الوتر ) والفجر والضحى ودرس العلم الشرعي حين عتابه على تركه فكلما يتركه مرة تلزمه كفارة ( أو ) كرر اليمين باسم الله تعالى أو بصفته أو بغيرهما مما فيه كفارة يمين و ( نوى كفارات ) بعدد الأيمان التي كررها وحنث فتلزمه كفارات بعددها .

( أو قال ) الحالف : والله ( لا ) باع سلعته من فلان مثلا فقال آخر : وأنا فقال مكرر القسم والله ( ولا ) أنت ثم باعها لهما أو لأحدهما ثم أقاله وباعها للآخر فعليه كفارتان قاله ابن المواز عن مالك وابن القاسم رضي الله تعالى عنهم ، فلو قال : والله لا أبيعها من فلان ولا من فلان فباعها لهما فكفارة واحدة ، والفرق أن السؤال لما وقع وسطا وتعدد المحلوف به كانتا يمينين بخلاف الثانية ، وكلام المصنف يوهم شمولها ، وكذا إن سأله الثاني ولم يكرر اليمين فكفارة واحدة ويحنث بواحد من المحلوف عليهما سواء الأول أو الثاني ، ولا فرق بين وقوعه في جواب وعدمه . وذكر ابن يونس وقوعه فيه فرض مسألة والمدار على تكرر القسم ، واختلاف المقسم عليه ففيها من قال : والله لا أكلم فلانا ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلانا وفعل ذلك كله أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة ، [ ص: 36 ] وكأنه قال : والله لا أقرب شيئا من هذه الأشياء . ولو قال : والله لا أكلم فلانا والله لا أدخل دار فلان والله لا أضرب فلانا فعليه ها هنا لكل صنف فعله كفارة لأن هذه ثلاثة أيمان بالله على أشياء مختلفة فكان ينبغي أن يقول أو قال لا والله ولا ، وأما لا ولا فليس فيه إلا كفارة واحدة .

( أو ) حلف لا فعلت أو لأفعلن كذا و ( حلف أن لا يحنث ) وحنث فعليه كفارتان كفارة لليمين الأولى وكفارة لليمين الثانية ( أو ) حلف ( بالقرآن والمصحف والكتاب ) لا فعلت أو لأفعلن كذا وحنث فعليه ثلاث كفارات إن لم ينو التأكيد ، وهذا ضعيف والمعتمد أن عليه كفارة واحدة لاتحاد مدلول الثلاثة كأسماء الله تعالى الحسنى فإن حلف بها كلها على شيء وحنث فعليه كفارة واحدة سواء قصد التوكيد أو التأسيس ، ولم يقصد شيئا منهما ما لم يقصد تكرر الحنث أو ينو كفارات .

( أو دل لفظه ) أي الحالف على تكرار الكفارة ( ب ) سبب ( جمع ) للمحلوف به كقوله : إن فعلت وإن لم أفعل كذا فعلي أيمان أو كفارات أو نذور وحنث فتلزمه ثلاث كفارات ولا يعتبر قوله نويت بها واحدة لأن الجمع نص في المتعدد فلا يقبل التخصيص بالواحد ( أو ) دل لفظه على التكرر ( ب ) سبب إتيانه في اليمين بصيغة موضوعة للتكرر كقوله ( كلما أو مهما ) فعلت كذا أو لم أفعله فعلي كفارة أو يمين أو نذر فعليه بكل فعل كفارة واحدة ( لا ) تتكرر الكفارة إن علق بأداة لم توضع له كإن وإذا ومتى ( متى ما ) وحنث فتنحل يمينه بالفعل الأول وتلزمه كفارة واحدة ما لم ينو بها معنى كلما .

إن قيل ما وجه اقتصاره على متى ما مع أنه إن نوى تكرر الكفارة تكررت سواء كانت الأداة " إن " أو " إذا " أو " متى ما " أو " متى " وإلا فلا قيل وجهه أن متى ما قريبة من كلما فإذا [ ص: 37 ] قصد بمتى ما معنى كلما تكررت ، وليس غيرها كذلك وهذا غير نية التكرار أشار له ابن عرفة .

( و ) لا تتعدد الكفارة إن قال ( ولله ) لا أفعل كذا أو لأفعلنه ( ثم ) قال ولو بمجلس آخر ( والله ) لا أفعله أو لا أفعلنه وحنث فعليه كفارة واحدة إن قصد تأكيد اليمين أو لم يقصد شيئا بل ( وإن ) لم يقصده و ( قصده ) أي تكرير اليمين وإنشاء يمين ثانية دون نية تعدد الكفارة ; لأن قصد إنشائها لا يستلزم قصد تعدد الكفارة إذ قد يقصد به تأكيد الأولى ، بخلاف قصد تعدد الكفارة فيستلزم قصد الإنشاء فهذا محترز قوله سابقا : أو نوى كفارات . ومثل اليمين بالله الظهار بخلاف الطلاق إذا كرره ثلاثا فهو محمول على التأسيس حتى ينوي التأكيد . أبو الحسن والفرق أن المحلوف به في الله والظهار أولا هو المحلوف به ثانيا ، والطلاق ، وإن كان لفظه واحدا معناه متعدد ; لأن الأول يضيق العصمة والثاني يزيدها ضيقا والثالث يتمها .

( أو ) حلف ب ( القرآن والتوراة والإنجيل ) لا فعلت أو لأفعلن كذا وحنث فعليه [ ص: 38 ] كفارة واحدة عند سحنون . ابن رشد وهو جار على المشهور لأنها كلها أسماء لكلام الله تعالى ، وهو صفة واحدة من صفات الله تعالى فكأنه كرر الحلف بها ، وبه علم ضعف ما سبق له في القرآن والمصحف والكتاب من تعددها . ابن غازي قوله أو بالقرآن والمصحف والكتاب قطع هنا بتعدد الكفارة ، وهو عند ابن رشد ظاهر قول ابن القاسم في رسم أوصى من سماع عيسى ، قال لاختلاف التسميات وإن كان المحلوف به واحدا وهو كلام الله تعالى القديم ، وهو خلاف ما ذكره ابن يونس عن ابن المواز وابن حبيب أنها كفارة واحدة لجميعها .

قوله والقرآن والتوراة والإنجيل قطع هنا بعدم التعدد ، وكذا قال سحنون في نوازله وقد صرح ابن رشد بأنه خلاف ظاهر سماع عيسى الذي فوقه ، ولم ينقل ابن يونس في الفرعين إلا كفارة واحدة . وقال آخر كلامه : لأن ذلك كله كلام الله عز وجل وهو صفة من صفات ذاته ، فكأنه حلف بصفة واحدة فعليه كفارة واحدة باتفاق .

فإن قلت : فما وجه تفريق المصنف . قلت : كأنه لما رأى المنصوص في الثانية الاتحاد لم يمكنه العدول عنه ، وعول في الأولى عن ظاهر قول ابن القاسم وإن خالف نص غيره لتقديم أهل المذهب . ابن القاسم على غيره مع أن مدرك الحكم في المسألتين واحد ، وكثيرا ما يفعل مثل هذا التبقي للفروع معروضة للنظر والله أعلم .

( و ) لا تتعدد الكفارة إن كان متعلق اليمين الثانية جزء متعلق اليمين الأولى كحلفه بالله ( لا كلمه ) أي الحلف المحلوف عليه ( غدا وبعده ) أي الغد ( ثم ) حلفه ثانيا لا كلمه ( غدا ) ثم كلمه غدا فكفارة واحدة سواء كلمه في اليومين ، أو في الأول دون الثاني أو عكسه ، ولا شيء عليه في فعل الآخر حيث يقصد تعددها ، وأما عكس كلام المصنف وهو حلفه لا كلمه غدا ثم حلفه لا أكلمه غدا ولا بعد غد ، فإن كلمه غدا فكفارتان ثم إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه ولو كلمه ابتداء بعد غد فكفارة واحدة نقله تت عن ابن عرفة ، ولزوم كفارتين في غد في هذه لوقوعه ثانيا مع غيره فكأنه غير الأول ، ومسألة [ ص: 39 ] المصنف وقع فيها الغد ثانيا وحده فكان كالتأكيد للأول .




الخدمات العلمية