الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعليهما الإصلاح ، [ ص: 551 ] فإن تعذر فإن أساء الزوج طلقا بلا خلع وبالعكس : ائتمناه عليها ، أو خالعا له بنظرهما ، وإن أساءا معا ; فهل يتعين الطلاق بلا خلع ، أو لهما أن يخالعا بالنظر عليه الأكثر ؟ تأويلان ، [ ص: 552 ] وأتيا الحاكم فأخبراه فنفذ حكمهما :

التالي السابق


( و ) يجب ( عليهما ) أي الحكمين ( الإصلاح ) بين الزوجين مهما أمكن لقوله تعالى [ ص: 551 ] { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } النساء . ابن عباس إن يريدا أي الحكمان ، إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . وقيل إن يريدا أي الزوجان ( فإن تعذر ) بفتحات مثقلا الإصلاح بين الزوجين على الحكمين ( فإن أساء الزوج ) الزوجة ولم تسئه وطلبت الطلاق ولم ترض بالإقامة معه ( طلقا ) بفتحات مثقلا أي الحكمان الزوجة ( بلا خلع ) يأخذانه منها له في نظير حل عصمتها منه ( وبالعكس ) أي أساءت الزوج الزوجة ولم يسئها ( ائتمناه ) أي الحكمان الزوج ( عليها ) أي الزوجة وأوصياه بالصبر على إساءتها وأبقياها في عصمته إن تحققا أو ظنا أنه لا يتجاوز الحق فيها بعد ائتمانه عليها ، إذ لا يلزم من انفرادها بالإساءة في الماضي عدم إساءته إياها في المستقبل ( أو خالعا له ) أي الحكمان الزوجة للزوج أي طلقاها عليه بمال منها له تقديره ( بنظرهما ) أي الحكمين ولو زاد على صداقها إن أراد الزوج فراقها أو استوت المصلحة ، وفي إبقائها وائتمانه فإن تعينت المصلحة في أحدهما وجب ( وإن أساءا ) أي الزوجان أي ثبتت إساءة كل منهما الآخر تساوت إساءتهما أو لا أو استمر الإشكال ( فهل يتعين ) على الحكمين ( الطلاق بلا خلع ) أي مال من الزوجة للزوج ، هذا محل التعين قاله الشارح .

( أو لهما ) أي الحكمين ( أن يخالعا ) أو يطلقا بمال من الزوجة للزوج قدره ( بالنظر ) من الحكمين ولكن لا يسقطان عنه جميع الصداق ( وعليه ) أي الخلع بالنظر ( الأكثر ) من شراح المدونة في الجواب ( تأويلان ) ابن عرفة إذا توجه الحكمان استقراء أمورهما وسألا عن بطانتهما ، فإذا وقفا على حقيقة أمرهما أصلحا بينهما إن قدرا وإلا فرقا زاد فيها وتجوز فرقتهما دون الإمام ، وفي كيفيتها عبارات . الباجي إن كانت الإساءة من [ ص: 552 ] الزوج فرقا ، وإن كانت من المرأة تركاهما وائتمناه عليها ، وإن كانت منهما فرقا على بعض الصداق فلا يستوعباه له وعليه بعض أهل العلم رواه محمد عن أشهب . محمد وهو معنى قوله تعالى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } البقرة .

ابن فتحون إن لم يقدرا على الصلح فرقا بشيء من الزوجة له أو أسقطاه عنه أو على المتاركة دون أخذ وإسقاط ، ولا ينبغي أن يؤخذ لها منه شيء وتبعه المتيطي . اللخمي إن كان الظلم منه فقط فرقا دون إسقاط شيء من المهر ، وعكسه إن كان لا يتجاوز الحق فيها عند ظلمها ائتمناه عليها وأقرت إلا أن يجب فراقها فيفرقا ، ولا شيء لها من المهر .

ولعبد الملك في المبسوط لو حكما عليه بأكثر من المهر جاز إن كان سدادا وإن كان منهما أو أشكل أمرهما فرقا وقسما بينهما نصف المهر إن كان قبل البناء ، وجميعه إن كان بعده ، وفيها لربيعة إن كان الظلم منه فرقا بغير شيء ، وإن كان منهما أعطي الزوج بعض الصداق ، وإن كان منها فقط جازما أخذ له منها .

أبو عمران هو وفاق أن تؤول معنى قوله أضر بها في دعواها . الصقلي ظاهره أنه إن ثبت ضرره بها فلا يؤخذ له منها شيء . وقول بعض شيوخ إفريقية لا يجوز خلع الزوج على أخذ شيء منها إن كان الضرر منهما معا قاله متقدمو علمائنا ، وليست كمسألة الحكمين إن كان الضرر منهما معا لأن النظر لغير الزوجين إن رأى الحكمان باجتهادهما إعطاء الزوج شيئا من مالها على خروجها من عصمته جارنا ويدل على أن الحكمين يجوز أن يعطيا شيئا من مالهما ، وإن كان الظلم منهما معا . أبو حفص إن كان خلعها إذا كان الظلم منها مائة فإن كان منهما جميعا أخذ له النصف ، وإن كان الثلثان من قبلها والثلث من قبله أخذ له الثلثان ، وفي العكس العكس . اللخمي لو انفرد أحدهما بالطلاق لم ينفذ ولو اجتمعا عليه وانفرد أحدهما بالخلع بمال لم يلزما ولو أمضت الزوجة المال ففي لزوم الزوج الطلاق خلاف .

( وأتيا ) أي الحكمان ( الحاكم ) الذي بعثهما ( فأخبراه ) أي الحكمان الحاكم بما حكما به من الإصلاح أو التطليق ( فنفذ ) بفتحات مثقلا أي أمضى الحاكم ( حكمهما ) [ ص: 553 ] أي الحكمين وجوبا وإن لم يرضه الزوجان والحاكم وخالف مذهبه كما تقدم . طفي في التوضيح ذكر المتيطي أن الحاكم إذا وجه الحكمين وحكما بالطلاق فإنهما يأتيان الحاكم ويخبرانه بما حكما به فينفذ حكمهما . ا هـ . ولذا قال هنا ونفذ حكمهما ولم يكن في المتيطية فينفذ حكمهما ولا معنى له لأنهما هما اللذان ينفذان الحكم وإن لم يرض الحاكم كما تقدم ، ولذا عارضها الشارح به ولعله وقع تحريف في نسخة المصنف من المتيطية ، ونصها إذا حكم الحكمان حكمهما أتيا السلطان فأخبراه بمحضر شاهدي عدل بما اطلعا عليه من أمورهما وما أنفذاه من حكمهما . وكذا كل من استخلفه القاضي على ثبوت شيء وإنفاذه . ا هـ . هكذا نقله ابن عرفة والمواق وهو الصواب ، وبه تعلم أن جواب " س " عن معارضة الشارح بقوله أتيا الحاكم إن شاءا فيه شيء لأنهما مطلوبان بإتيانه كما تقدم والمعارضة وجوابها على تسليم قوله ونفذ حكمهما ، وقد علمت ما فيه . ا هـ . كلام طفي .

البناني في اعتراضه نقل الموضح وتسليمه معارضة الشارح نظر ، وأما نقل الموضح الذي جرى عليه هنا فهو الذي في نص وثيقة المتيطي إذ قال فيها فأمضى القاضي حكم الحكمين المذكورين على هذين الزوجين وأنفذه نقله ابن غازي ، ولعل المصنف نقله بالمعنى ، ونحوه قول ابن سلمون ، فإن اختلفا فليس بشيء حتى يجتمعا على الحكم وينفذه السلطان . وقال في وثيقته وأعلم الحكمان المذكوران القاضي بما ظهر لهما وما حكما به وثبت حكمهما لديه بذلك فأمضاه وأنفذه . ا هـ . وأما المعارضة فالحق في دفعها ما ذكره سيدي عبد الرحمن الفاسي أن قوله ونفذ حكمهما معناه أمضاه من غير تعقب له بمعنى أنه ينفذه ، ولا بد وإن خالف مذهبه فلا ينافي أنه ينفذ وإن لم يرض الحاكم والله أعلم .




الخدمات العلمية