الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ القول في اختلاف البينات في قيمة المسروق ] .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو شهد اثنان أنه سرق ثوب كذا وقيمته ربع دينار وشهد آخران أنه سرق ذلك الثوب بعينه وأن قيمته أقل من ربع دينار فلا قطع وهذا من أقوى ما تدرأ به الحدود ويأخذه بأقل القيمتين في الغرم " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهاتان بينتان اتفقتا على سرقة ثوب بعينه واختلفتا في قيمته ، فشهد اثنان أن قيمته ربع دينار " تقطع فيه اليد " ، وشهد اثنان أن قيمته سدس دينار ، " لا تقطع فيه اليد " ، فلا تعارض في الشهادتين وإن اختلفتا في القيمتين ، لأن الثوب واحد ، قد اتفقت عليه البينتان ، والقيمة عن اجتهاد ، اختلفت فيه البينتان ، ولاختلافهما وجه محتمل لا يوجب ردهما به .

                                                                                                                                            فاختلف الفقهاء في اختلافهما ، هل يوجب العمل بأكثرهما أو بأقلهما في الغرم والقطع ؟ [ ص: 249 ] مذهب الشافعي أنه يؤخذ بأقلهما في الغرم وسقوط القطع ، استعمالا للبينة الشاهدة أن قيمته سدسي دينار ، فيسقط عنه القطع ولا يغرم الزيادة على السدس .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : آخذ بالبينة الزائدة في الغرم ووجوب القطع .

                                                                                                                                            وأحسب أن مالكا يأخذ بالبينة الزائدة في الغرم والناقصة في سقوط الحد .

                                                                                                                                            واستدل من عمل بالبينة الزائدة بأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه لما عمل في الأخبار المختلفة بالزيادة دون النقصان ، وجب أن يكون مثله في البينات ، لأن الشهادة خبر .

                                                                                                                                            والثاني : أن النقصان داخل في الزيادة ، فلم ينافيها ، فوجب العمل بها كما لو شهد شاهدان على إقراره بألف ، وشهد شاهدان على إقراره بألفين دون الألف بألف ، لدخول الألف في الألفين ، ودليلنا شيئان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن النقصان متفق عليه ، والزيادة مختلف فيها ، لأن من قومه بالربع أثبتها ومن قومه بالسدس نفاها ، فكان العمل بالمتفق عليه أولى من العمل بالمختلف فيه ، وخالف العمل بالزيادة في الأخبار لأن من روى الناقص لم ينف الزيادة .

                                                                                                                                            لأن بلالا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت وروى أسامة أنه دخل البيت وصلى عمل بالزيادة في صلاته وبعد دخوله لأن بلالا لم يقل دخل البيت ولم يصل ، فكذلك في الشهادة بالنقصان دون الزيادة ، وعمل في الأخبار بالزيادة دون النقصان .

                                                                                                                                            والثاني : أن النقصان يقين ، والزيادة شك ، وقد أثبتت في إحدى الشهادتين وبقيت في الأخرى فوجب العمل باليقين دون الشك ، لأن الأصل براءة الذمة ، فخالف الشهادة بألف والشهادة بألفين ، لأن من أثبت الألف لم ينف الألفين .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية