الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا كان هكذا كان تحسين الصوت بذكر الله والقرآن أولى محبوبا قال الشافعي رحمه الله : وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن ، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن قيس يقرأ ، فقال " لقد أوتي هذا من مزامير آل داود " قال الشافعي رحمه الله : لا بأس بالقراءة بالألحان ، وتحسين الصوت بأي وجه ما كان ، وأحب ما يقرأ إلي حدرا وتحزينا . قال المزني رحمه الله : سمعت الشافعي يقول : لو كان معنى " يتغنى بالقرآن " على الاستغناء ، لكان يتغانى وتحسين الصوت هو يتغنى ، ولكنه يراد به تحسين الصوت " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : أما تحسين الصوت بالقرآن حدرا وتحزينا فمستحب ، لما رواه الشافعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن " وروي : حسن الصوت بالقرآن زينة القرآن .

                                                                                                                                            ومعنى قوله " أذن الله " أي : ما استمع الله . ومنه قوله تعالى : وأذنت لربها وحقت [ الانشقاق : 2 ] . أي : سمعت له وحق لها أن تسمع .

                                                                                                                                            وروى البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " حسنوا القرآن بأصواتكم " .

                                                                                                                                            وروى الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة أبي موسى ، فقال : " لقد أوتي هذا من مزامير آل داود " .

                                                                                                                                            [ ص: 197 ] وروي عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك ، فقلت : يا رسول الله ، لو علمت أنك تسمعني لحبرته تحبيرا "

                                                                                                                                            وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل ، فليقرأ بقراءة ابن أم عبد " يعني عبد الله بن مسعود ، لحسن أدائه ، وصحة ترتيله ، وتحقيق ألفاظه .

                                                                                                                                            وكان أبي بن كعب ذا صوت حسن ، وأداء صحيح ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد أمرت أن أقرأ عليك ، فقرأ عليه .

                                                                                                                                            واختلف أهل العلم في قراءته عليه .

                                                                                                                                            فقال بعضهم : ليستن به الناس بعده ، فلا يستنكف شريف أن يقرأ على مشروف ، ولا كبير على صغير .

                                                                                                                                            وقال آخرون : ليسمع الناس قراءته وأداءه ، فيأخذون عنه .

                                                                                                                                            وقال آخرون : أراد به تفضيل أبي بذلك ، ولأن في تحسين الصوت بالقرآن تحريك القلوب بالحزن والخشوع ، وإنذار النفوس بالحزن والخضوع ، فيكون أبعث على الطاعة وأمنع من المعصية .

                                                                                                                                            وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذات ليلة في تهجده سورة النساء حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [ النساء : 41 ] . فبكى حتى علا نحيبه ، ولم يزل يرددها حتى تحزن صوته .

                                                                                                                                            ومر بعض أهل البطالة ، وقد هم بمعصية وقتل نفس ، بصالح المري وهو يقرأ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [ الفرقان : 23 ] . فانزجر بها ، وألقى السكين من يده ، وخر مغشيا على وجهه ، وتاب ، وصار ناسكا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية