الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        معلومات الكتاب

        المنهج النبوي والتغيير الحضاري

        برغوث عبد العزيز بن مبارك

        نموذج لإنسان الاستخلاف

        لنأخذ نموذجا من النماذج البشرية، التي أخرجتها مؤسسات البناء الحضاري التي كان يشرف عليها النبي عليه الصلاة والسلام ولغرض التحليل، سوف نختار نموذجا يصور لنا العملية التغييرية النبوية في مفاصلها الثلاثة:

        جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير : أرسل سعد قبل القادسية ، ربعي بن عامر رسولا إلى رستم ، قائد الجيوش الفارسية، وأميرهم، فدخل عليه، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، وزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت، واللالئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب.. ودخل ربعي بثياب صفيقة، وسيف، وترس، وفرس قصيرة، ولم يزل يركبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل، وربطها ببعض تلك الوسائد، واقبل وعليه سلاحه، ودرعه، وبيضة على رأسه.. فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هـكذا، وإلا رجعت.. فقال رستم: إئذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء، من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا، حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات [ ص: 145 ] على قتال من أبى، والظفر لمن يبقى.. فقال رستم : قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هـذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال: نعم كما أحب إليكم، يوما أو يومين ؟ قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا، رؤساء قومنا. فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

        أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث بعد الأجل، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.. فقال: أسيدهم أنت ؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد، يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هـل رأيتم قط أعز، وأرجح من كلام هـذا الرجل ؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هـذا، وتدع دينك إلى هـذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام، والسيرة، وإن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب [1] .

        لنتأمل بعمق هـذا الكلام الرسالي، الذي لا يكف عن إعطاء السائرين في الكون بمعالم زاد المسير، لنحلل بعض جوانبه. إن هـذا الإنسان الجديد، هـو منتوج من منتجات المدرسة التغييرية النبوية، كما أنه يقدم لنا صورة لجندي بسيط في مؤسسات البناء الحضاري، وهو يؤدي واجبه اليومي في سياق تبليغ الإسلام للناس. إن هـذا الإنسان يحمل في ذاته (المبررات الكونية للإسلام) وهو يتحرك بقوة الروح، والعزيمة التي منحته أياها قيم هـذا الدين وتعاليمه، وضماناته، ليحقق أهدافه في هـذه الحياة والمتمثلة في: العبادة والإعمار، والإنقاذ، والتعارف - كما رأينا سابقا.

        عندما نتأمل موقع هـذا الإنسان، وهو يمارس مهامه، وفي تلك اللحظة التي يقف فيها أمام رستم، ماذا نستنتج؟

        الأمر الأول الذي نلاحظه، هـو أن هـذا الإنسان قد انهى تكوينه الحضاري [ ص: 146 ] القاعدي، بمعنى أنه قد تخرج من:

        - مؤسسات الربط الحضاري، بالرؤية والرسالة الإسلامية، حيث وعى أهدافه، واقتنع بها.. فهو في حالة ارتباط قوي برسالته، التي تتمثل في مشروع الإسلام عموما.

        - ومؤسسات الوعي الحضاري للمشروع، فهو يتمتع بفقه محيط لأهداف الإسلام، وقيمه.

        - ومؤسسات البناء الحضاري، والانخراط في الإنجاز للمشروع.

        ونستدل على المفصل الأول من التكوين من خلال قوله: ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء، من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. ) فهو مؤمن بهذه المنظومة الجديدة من الأهداف، ومجاهد من أجل تبليغها للناس، كما نلاحظ بأنه تجاوز مفصل الوعي، وبقوة عجيبة، فرغم أنه كان في موقف زينت له فيه الدنيا، وأعدت خصيصا لإغرائه، وإذهاله، ولكن على العكس أذهلها، وأذهل أصحابها. فقد استحقر كل ذلك العالم، من الأشياء المائلة أمام عينيه، ففي هـذه اللحظة الجمالية الحضارية، أعطى موقفه التاريخي الخالد، وبرهن على ارتباطه بأهدافه، ورسالته، ووعيه العميق لها، وأبان مدى مسئولياته الكبيرة، التي تفرض عليه أن يؤدي واجبه، كممثل حضارة، لا كمجرد مبعوث من قبل قائد إسلامي، هـو نفسه طراز آخر من النماذج الاستخلافية. فهو يعيش في موقف فرض عليه أن يلخص فيه رسالة الإسلام في كلمات واضحة، ومفهومة، بعيدة عن التكهن، والتفلسف، والخلط. كما فعل جعفر من قبله بسنوات في أعقاب الهجرة الأولى إلى الحبشة وهو يخاطب النجاشي، ولنا أن نقارن المواقف لنتعرف على مدى التطابق الذي يعبر على نفس النموذج، الذي أخرجته المدرسة التغييرية النبوية، مع مراعاة الفارق الزمني.. فجعفر كان في العهد المكي، وربعي [ ص: 147 ] كان في العهد المدني، لقد عبر ربعي - رحمه الله - عن تطليق عالم مادي، لم تعد تسري فيه روح الحياة، ولم يعد له مفعوله القديم على النفوس الجديدة، وارتبط بعالم غيبي، يمده بمبررات أكثر إنسانية، وفعالية، وفطرية. كما وضعه أمام ضمانات عظيمة، لا يمكن تقديرها وفق المقاييس المتعارف عليها في عالم الناس، حيث أصبح لعالم الأشياء مفهوم آخر، أدمجه في منظومة تحقيق أهداف إنسانية، تخدم مصالح الإنسان في عالمه الحاضر، وعالمه الآخر.

        وربعي في الحقيقة، وفي ذلك الظرف، كان في المراحل المتقدمة للبناء الحضاري، للنموذج الإسلامي الاجتماعي، وبالضبط كان يمارس عملية ( الإنقاذ ) التي هـي الهدف الثالث في منظومة الأهداف الحضارية الكبرى للإسلام. وهذا واضح في قوله (.. ابتعثنا الله لنخرج..) .. وكان كل كلامه نابع عن قناعة تامة بما يقول، ويفعل، وكانت الضمانات التي تبرر له سلوكه، وتملأ عقله، ونفسه وباطنه، حتى أصبحت تشع بالخير في الخارج، ويتضح ذلك في قوله (.. الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن يبقى..) وهذا الاستحضار، ليس من باب ( المنتاج السياسي ) ، الذي ألفته المجتمعات القديمة، ولكن من باب التوافق مع سنن الله في الذكر، والأنفس، والكون.. السنن التي دفعته ليقول، وهو يجيب عن طلب رستم: (.. ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر عند اللقـاء أكثر من ثلاث، فانظـر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل..) .. لقد حدد المصير بدقة، وعن علم، ودراية..

        فموقفه سنني، لأنه قد وفر في تلك اللحظات شروط ( سنة الإعداد ) سواء الروحي، أو المعنوي، أو العملي، أو المادي، فهو قادر على أن يحقق عملية الإنقاذ، بتوفيق من الله، وتثبيته، ونصرته.. [ ص: 148 ]

        ثم قدم لنا فصلا كاملا من فصول التغيير الحضاري، في معرض إجابته عن تساؤل رستم: (أسيدهم أنت؟) فقـال: لا ولكن المسلمـون كالجسـد الواحد، يجير أدناهم على أعلاهم.. ) إنه يتحدث عن شبكة العلاقات الاجتماعية، في أحسن ظروفها وانسجامها.. وفي خلاصة الكلام، يأتي رستم ليحكم على هـذه النوعية البشرية الراقية، التي تغيرت معالم نفسيتها، وعقليتها، فتغيرت معها الكلمة، والسيرة، واللهجة، والهدف، والضمانة.. فقال: (.. ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام، والسيرة.. ) وكأن رستم في تلك اللحظة أدرك جوهر التحول، وأصل التغيير، وأحس بأنه يتحدث مع نموذج بشري آخر، لم يعهده من قبل، في حياة الأمم السابقة. هـذا النموذج الذي قال عنه خالد بن الوليد الصحابي الجليل المؤمن، والعسكري المحنك المظفر، والجندي الطائع عندما بعث لولاة كسرى على ألوية العراق: " وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما، يحبون الموت، كما تحبون الحياة " إن التغيير لما في النفس، هـو الذي أنتج هـذه النماذج الاستخلافية العالية، وإنه لتحول يعبر عن عظمة الإسلام، ورسالته، وأهدافه، وضماناته ووعوده، وعن التربية النبوية المستقيمة على الطريقة، والمتطابقة مع سنن الله المنتشرة في الذكر، والأنفس، والكون. وعلى هـذا الأساس، نستطيع أن نؤكد على أن التغيير الأصيل، هـو الذي يكون موجها إلى تغيير النفس الإنسانية، أي رفع قدارتها الفهمية، والروحية، والعملية، التي تؤهلها لفهم عقيدتها وأهدافها، ورسالتها، واستيعابها لسنن الله العاملة في الذكر، والأنفس، والكون، لأن هـذا التغيير يتبعه آليا التغيير في الكلام، والعمل والموقف. وعليه فالحركة التغييرية مالم تستهدف بالتغيير الإنسان في ذهنه، وقلبه، وجوارحه، فإنها ليست أصيلة.. والحركة الأصيلة كالتي غيرت ربعيا، هـي التي تستطيع النفاذ إلى أقطار [ ص: 149 ] النفس، وتستهدفها بالإفراغ من الأسقام، والملء بالخير، تبعا لسنن الربط الحضاري..

        لقد تخرجت أمثال هـذه النماذج تحت الرعاية الخاصة للرسول صلى الله عليه وسلم وفي الورشات الإسلامية للبناء الحضاري، المختصة في بناء القدرات الفهمية، والقدرات الروحية، والقدرات العملية، والقدرات الجهادية، والإعمارية، والإنقاذية.

        ومن الوجهة التاريخية العامة، نلاحظ بأن العميلات الأولى لبناء (إنسان الاستخلاف) ، هـي المقدمة الأساسية لبناء (مجتمع الاستخلاف) ، و ( ثقافة الاستخلاف) ، كقوى حضارية كبرى، بإمكانها تغيير مسيرة الإنسانية نحو الأفضل، بتوفيق من الله عز وجل وعندما يبنى الإنسان، ويرتفع إلى مستوى الاستخلاف، فذلك دليل على اجتيازه المرحلة التي يكون فيها في (مؤسسات بناء المبررات الحضارية) وبالتحديد قد اجتاز العوالم الثالثة للتغيير الحضاري، أي:

        - الربط الحضاري، وتكون المبررات في مرحلة التشكل وفي تنام مستمر.

        - والتفقيه الحضاري، وتكون المبررات في أعلى مستوياتها ودافعة للنشاط داخل النفس.

        - وعالم البناء الحضاري، وتكون المبررات دافعة للنشاط داخل الواقع الاجتماعي، المعضل بكل تحدياته، وصعوباته، ويكون الإنسان، والمجتمع، والثقافة في حالة حركة مستمرة.. [ ص: 150 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية