الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                . فمن فروعها ما إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم ، والآخر الإباحة [ ص: 336 ] قدم التحريم ، وعلله الأصوليون بتقليل النسخ ; لأنه لو قدم المبيح للزم تكرار النسخ 4 - ; لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، فإذا جعل المبيح متأخرا كان المحرم ناسخا للإباحة الأصلية ، ثم يصير منسوخا بالمبيح .

                ولو جعل المحرم متأخرا لكان ناسخا للمبيح ، وهو لم ينسخ شيئا ; لكونه على وفق الأصل 5 - ، وفي التحرير يقدم المحرم تقليلا للنسخ واحتياطا ، وقد أوضحناه في شرح المنار في باب التعارض ، ومن ثمة قال عثمان [ ص: 337 ] رضي الله عنه ، لما سئل عن الجمع بين أختين بملك اليمين : أحلتهما آية وحرمتهما آية 6 - فالتحريم أحب إلينا .

                وذكر بعضهم أن من هذا النوع حديث ( { لك من الحائض ما فوق الإزار } ) وحديث ( { اصنعوا كل شيء إلا النكاح } ) فإن الأول يقتضي تحريم ما بين السرة والركبة .

                والثاني يقتضي إباحة ما عدا الوطء فرجح التحريم احتياطا ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك والشافعي رحمهم الله ، وخص محمد رحمه الله شعار الدم ، وبه قال أحمد عملا بالثاني .

                [ ص: 336 ]

                التالي السابق


                [ ص: 336 ] قوله : قدم التحريم : قيل : صوابه قدم المبيح ، كما يرشد إلى ذلك قوله : ولو جعل المحرم متأخرا ; يوضح ذلك ما قاله العلامة ابن عبد الملك فيما إذا تعارض الحظر والمبيح ، فالحظر جعل متأخرا ناسخا للمبيح تقليلا للنسخ ; لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، فلو جعل المبيح متأخرا يلزم تكرار النسخ ; لأن الحظر يكون ناسخا للإباحة الأصلية ، ثم المبيح يكون ناسخا للحظر فيلزم التكرار ولو جعل الحظر متأخرا لا يلزم إلا نسخ واحد ( انتهى ) .

                فجعل الحظر آخرا ( انتهى ) .

                أقول : قد قدمنا عن شرح المنار أن الإباحة الأصلية ليست حكما شرعيا فلا يكون رفعها نسخا ، إذ النسخ عبارة عن انتهاء حكم شرعي ، وليست حكما شرعيا ، وحينئذ لم يتكرر النسخ .

                ( 4 ) قوله : لأن الأصل في الأشياء الإباحة : فيه نظر من وجهين : الأول : أن ظاهره يقتضي أن الأصل في الأشياء الإباحة اتفاقا ، وقد تقدم أنه قول بعض الحنفية .

                والثاني : أن الإباحة الأصلية ليست حكما شرعيا فلا يكون رفعها نسخا إذ النسخ عبارة عن انتهاء حكم شرعي إلا إذا أريد بالنسخ تغيير الأمر الأصلي فيتغير مرتين فيتكرر النسخ بهذا المعنى كما في شرح المنار .

                ( 5 ) قوله : وفي التحريم تقليلا للنسخ فيه : أن تقليل النسخ في تقديم المبيح لا في تقديم المحرم إذ في تقديم التحريم تكرار نسخ كما يستفاد من كلام ابن عبد الملك فليحرر .

                [ ص: 337 ] قوله : فالتحريم أحب إلينا إنما كان التحريم أحب ; لأن فيه ترك مباح ; لاجتناب محرم ، وذلك أولى من عكسه .




                الخدمات العلمية