الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                معلومات الكتاب

                الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

                ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                صفحة جزء
                [ ص: 16 ] وبعد ; فإن الفقه [ ص: 17 - 18 ] أشرف العلوم قدرا ، 7 - وأعظمها أجرا ، 8 - وأتمها عائدة ، [ ص: 19 ] وأعمها فائدة ، 10 - وأعلاها مرتبة 11 - وأسناها منقبة ، 12 - يملأ العيون نورا ، [ ص: 20 ] والقلوب سرورا ، [ ص: 21 ] والصدور انشراحا 15 - ويفيد الأمور اتساعا وانفتاحا ، 16 - هذا لأن ما بالخاص والعام من الاستقرار على سنن النظام [ ص: 22 ] والاستمرار على وتيرة الاجتماع والالتئام ،

                التالي السابق


                ( 5 ) وبعد فإن الفقه : بعد ، كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر وهو ظرف زمان بمعنى كثيرا وقد تستعمل في المكان ويصح إرادة كل منهما هاهنا وهي مبنية على الضم ، لحذف المضاف إليه ونية معناه أي بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام ، قال ابن الملقن في الإشارات وقد اختلفوا في ضبط بعد على أربعة أوجه : أحدها الضم ، وقد تقدم ، ثانيها مع التنوين ، ثالثها : النصب والتنوين ، رابعها : فتح الدال مع تقدير لفظ المضاف إليه حكاه النحاس ( انتهى ) .

                وهذه الأوجه تأتي هنا ما عدا النصب مع التنوين فإنها لم ترسم بألف وقد بين ابن هشام تلك الأوجه وحاصله أنها مبنية على الضم إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه وتعرب في ثلاثة أوجه وهي ما إذا ذكر المضاف إليه أو حذف ونوي لفظه أو حذف ولم ينو شيء ولم يذكر الضم مع التنوين الذي ذكره ابن حجر الهيثمي عن بعض المشايخ أنها فاعل لفعل محذوف أي مهما يكن بعد أي يوجد .

                قال الشهاب أحمد الغينمي وهو قريب ( انتهى ) .

                ( أقول ) الظاهر أنه إن لم يكن فاسدا فهو بعيد فما معنى نسبة الوجود إلى بعد ؟ وكون المراد لفظها بعيد غير ظاهر في التعليق والغرض منه .

                ثم اعلم أن الواو في قوله وبعد قد [ ص: 17 ] اختلفوا فيها فذهب بعضهم إلى أنها عاطفة قصة على قصة ، أي عاطفة مضمون سيق لغرض سبب التصنيف على مضمون سيق لقصد التبرك ، والعامل في بعد على هذا محذوف تقديره أقول .

                ونحوه ، والفاء زائدة للإشعار باللزوم أو عاطفة .

                والتقدير : وأقول بعد ما تقدم .

                كذا قيل .

                أقول لا يتأتى الإشعار باللزوم إذا كانت الواو عاطفة ومن ثم قال المحقق الرضي إن الفاء دخلت لتوهم : إما إجراء للمتوهم مجرى المحقق أو لتقدير " أما " قبل " بعد " على ما جوزه الجرجاني .

                وقد جوز العلامة محمد القهستاني في شرحه على النقاية عند قول المصنف : وبعد .

                فإن المتوسل إلى الله بأقوى الذريعة ، أن يكون الواو للاستئناف والفاء للتعليل وبينه بما هو أبعد من البعيد ثم قال وإنما قلنا هذا لما في المشهور من الضعف فإن تقدير " أما " مشروط بأن يكون ما بعد الجزاء أمرا ونهيا ناصبا لما قبلها أو مفسرا له كما في الرضي وأما توهم " أما " فلم يعتبره أحد من النحويين ( انتهى ) .

                وقد جوز الفاضل الدماميني في المنهل الصافي شرح الوافي عند قوله وبعد فقال : أضعف عباد الله أن يكون الواو للعطف والفاء للسببية أو عاطفة أو زائدة وقرر ذلك بما يطول فراجعه .

                وقيل الواو في وبعد ليست عاطفة بل عوضا عن أما والعامل في بعد الفعل المقدر ووقع في كلام بعض المتأخرين رحمهم الله تعالى أن العامل في بعد هاهنا الواو النائبة عن أما المتضمنة معنى الشرط وفعله والتقدير مهما يكن من شيء بعد ( انتهى ) .

                والعهدة عليه في ذلك وقد بحث المحقق الفزي رحمه الله في حواشي التلويح في جعل الواو عوضا عن أما بأن جعلها عوضا يقتضي مناسبة بين الواو وأما مصححة لتعويضها ولا مناسبة بينهما ( انتهى ) .

                وقال ابن إياز رحمه الله في شرح الفصول وأما حذف أما فلا يجوز لأن أما نائبة عن الفعل وأداة الشرط معا فلو حذف كان فيه حذف النائب والمنوب وهذا إجحاف كثير وقد ارتكب كثير من الناس هذا المحظور واستسهلوه وذلك إذا كانت أما مع بعد فيقولون في أما بعد : وبعد فإن الأمر كذا .

                وقد صنع ابن معطي في خطبة ألفيته هذا فقال : وبعد فالعلم جليل القدر .

                ومراده أما بعد ( انتهى ) .

                أقول في كون ما صنعه ابن معطي من هذا القبيل نظر لجواز أن يكون أراد بالواو العطف لا أنها عوض عن أما ، وكون مراده أما بعد لم تقم قرينة قاطعة عليه وعلى تسليمه فقد نقل الرضي أن أما يجوز حذفها إذا كان الجزاء [ ص: 18 ] أمرا نهيا فمنع جواز حذفها على الإطلاق ممنوع فتأمل والفقه هو العلم بالأحكام الخمسة من حيث تعلقها بأفعال المكلفين لا العلم بوجوب العمل كذا في فصول البدائع . ( 6 )

                أشرف العلوم قدرا : الشرف العلو وقدرا منصوب على التمييز وهو مبلغ الشيء وأن يكون مساويا لغيره من غير زيادة ولا نقصان كما في المغرب والمراد به هنا المرتبة والمزية وفي كلام المصنف نظر لاقتضائه أن علم الفقه أشرف من علم الكلام والتفسير والحديث مع أن هذه العلوم أشرف من الفقه لأن شرف العلم بشرف موضوعه وموضوع هذه العلوم أشرف كما هو ظاهر .

                وحينئذ فالصواب أن يقال من أشرف العلوم وأجاب بعضهم بأن مراده من الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها فيدخل علم الكلام فيه لكن المقام ينبئ عنه ( انتهى ) .

                وفيه أنه مع نبوء المقام عنه غير حاسم لمادة الإشكال .

                والحق أن يقال أن اللام في العلوم ليست للاستغراق بل للجنس والحكم على الجنس لا يستدعي الحكم على كل فرد من أفراده .

                بقي أن يقال الفقه من جملة العلوم فيلزم أن يكون مفضلا على نفسه لأن اسم التفضيل إذا أضيف وقصد به الزيادة على ما أضيف إليه يشترط في صحة استعماله أن يكون بعضا مما أضيف إليه ; والجواب أنه داخل في المضاف إليه لغة خارج عنه مرادا كما في الاستثناء المتصل والمقصود تفضيله على ما يشاركه في هذا المفهوم أعني مفهوم الشرف فلا يلزم التفضيل على نفسه كذا حققه بعض المحققين في مثل هذا التركيب فليحفظ . ( 7 )

                وأعظمها أجرا : العظم بكسر العين ضد الصغر ومتى وصف عبد بالعظمة فهو ذم والأجر الجزاء على العمل كالإجارة مثلثة والجمع أجور . ( 8 )

                وأتمها عائدة : التمام ضد النقصان والعائدة المعروف والصلة والعطف والمنفعة والمراد هنا الأخير ( أقول ) وعلى كون العائد بمعنى الصلة يعجبني قول بعض الأدباء :

                لقد مرضت وعادني من ليس معه خردلة تعسا له من زائر
                وعائد بلا صلة

                [ ص: 19 ] وأعمها فائدة : أعم من العموم وهو الشمول يقال أعمهم بالعطية أي أشملهم فلم يفته أحد منهم والفائدة لغة من الفؤاد لأنها تعقل به وعليه قول أستاذي :

                من الفؤاد اشتقت الفائدة والنفس يا صاح بذا شاهدة
                لذا ترى أفئدة الناس قد مالت لمن في قربه فائدة

                أو من الفيد ما استفيد من علم أو مال وفسرها بعضهم بالزيادة تحصل للإنسان اسم فاعل من فادت له فائدة وفيدا وأفدته أعطيته وأفدت منه أخذت وعرفا كل نافع ديني أو دنيوي أو هي ما يكون به الشيء أحسن حالا منه بغيره . ( 10 )

                وأعلاها مرتبة : أي أرفعها منزلة قال في القاموس الرتبة بالضم والمرتبة المنزلة . ( 11 )

                وأسناها منقبة : السنا ضوء البرق ويمد .

                والمنقبة بالفتح الطريق في الجبل والمعنى أن علم الفقه أظهر العلوم طريقا لأن طريقه الكتاب والسنة والإجماع قوليا أو فعليا أو سكوتيا والقياس الصحيح .

                وهذه في صحة الدلالة وظهورها لا يضاهيها غيرها من الدلالات العقلية والطبعية والعادية لاختلافها وعدم انضباطها لاختلاف العقول والطباع والعادات وفسر بعض الفضلاء المنقبة هنا بالفعل الكريم وهو غير مناسب كما هو ظاهر . ( 12 )

                يملأ العيون نورا : يملأ من الملء وهو مقدار ما يأخذه الإناء إذا امتلأ يقال ملأت الوعاء فهو ملء وامتلأ بطنه وتملأ من الطعام والشراب ومن المجاز نظرت إليه فملأت منه عيني وهو ملآن من الكرم ذكره الزمخشري والعيون جمع عين الباصرة وهي مؤنث والمراد عين البصيرة لا الباصرة إلا بتكلف . والنور بالضم قيل أنه كيفية عارضة من الشمس والقمر والنار على ظاهر الأجسام بعروضها تصير المرئيات منكشفة متجلية ; ولهذا قيل في تفسيره هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره . والحق أنه الثاني من الأضواء والأضواء قيل هي أجسام شفافة تنفصل عن المضيء لأنها متحركة بدليل [ ص: 20 ] انحدارها عن الكواكب وانعكاسها وكل متحرك جسم . ورد بمنع حركتها . وقوله لأنها متحركة وفي نسخة منحدرة ومنعكسة قلنا لا نسلم ذلك بل هو يحدث في مقابلة المقابل دفعه لكن لما كان حدوثه من شيء عال في مكان مقابل سبق إلى الوهم أنه منحدر ومنعكس فالحق أنها كيفيات فمنها ما هو ضوء أول وهو الحاصل في الجسم من مقابلة المضيء لذاته كضوء وجه الأرض بعد طلوع الشمس ويسمى ضياء إن قوي وشعاعا إن ضعف ومنها ما هو ثان وهو الحاصل في الجسم من مقابلة المضيء بالغير كالضوء الحاصل على وجه الأرض وقت الإسفار وعقيب غروب الشمس فإنه صار مضيئا بالهوى الذي صار مضيئا بالشمس وكالضوء الحاصل على وجه الأرض وقت الإسفار من مقابلة القمر ويسمى هذا النوع نورا والكلام مشتمل على تشبيه المعقول بالمحسوس بوجه تخييلي لأنه لما كانت البدعة وكل ما هو جهل يجعل صاحبها كمن يمشي في الظلمة فلا يهتدي للطريق ولا يأمن أن ينال مكروها شبهت البدعة بالظلمة فلزم أن يشبه علم الشريعة وكل ما هو علم وهداية بالنور . وشاع هذا حتى تخيل أنه مما له بياض وإشراق كذا في التقرير . أقول على هذا كان الظاهر أن يعبر بالقلوب دون العيون لأنه المناسب للنور بمعنى العلم وأن يعبر في الفقرة التي بعدها بالنفوس بدل القلوب دون العيون واعلم أن النور من أسمائه تعالى وله سر عظيم من كتبه هكذا " ن و ر " خمس مرات وعلقه على من شكا وجع معدته وخفقان قلبه أزال الله تعالى ما يشكوه وإذا وضع على موضع ألم سكن . ( 13 )

                والقلوب سرورا : القلوب جمع قلب وهو الفؤاد أو أخص منه والعقل كذا في القاموس وقال الواحدي القلب مضغة في الفؤاد معلقة بالنياط فهو أخص من الفؤاد وفي الصحاح أنهما مترادفان . قال البدر الزركشي والأحسن قول غيره الفؤاد غشاء القلب والقلب حبة سويداه ويؤيد الفرق قوله صلى الله عليه وسلم ( ألين قلوبا وأرق أفئدة ) وفي شرح الشفاء للسيد عيسى الصفوي أن الفؤاد ثابت في الجنب الأيسر بناء على مذهب المتكلمين من أنه محل العلم ، والقوة المدركة قائمة به ، لا بالدماغ ( انتهى ) . وهو منبع الحياة وعنصر لحرارة الجسم ولتحقيق أنه سر لطيف به يدرك الإدراك ويعبر عنه بهذه الجارحة تقريبا للأذهان . قيل ويسمى القلب قلبا لتقلبه وعليه قول بعض الأدباء : [ ص: 21 ]

                للصب بعدك حالة لا تعجب وتتيه من صلف عليه وتعجب
                وأقول للقلب الذي لا ينتهي عن حبه أبدا ولا يتجنب
                قد كاد أنك لا يسميك الورى قلبا لأنك عنه لا تتقلب



                والسرور الفرح . ( 14 )

                والصدور انشراحا : الصدور جمع صدر أعلى مقدم كل شيء والصدر مذكر وأنث في قول الأعشى :

                وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم

                لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه وقد تقصيت عما يكتسبه المضاف من المضاف إليه فأوصلت ذلك إلى ثمانية عشر شيئا ولم يسبقني أحد إلى ذلك إذ غاية ما أوصلها الجمال بن هشام في المغني إلى عشرة والجلال السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية إلى ثلاثة عشر وقد نظمتها في أبيات وهي :

                ثمان وعشر يكتسبها المضاف من مضاف إليه فأسمعتها مفصلا
                فتعريف تخصيص وتخفيف بعده بناء وإعراب وتصغير قد تلا
                وتذكير تأنيث وتصدير بعده إزالة قبح والتجوز يا فلا
                وظرفية جنسية مصدرية وشرط وتنكير فلا تك مهملا
                وتثنية جمع وقد تم جمعنا صحيحا من الأدوا على رغم من قلا

                والانشراح مطاوع شرحته فانشرح أي وسعته فاتسع لكن باب المطاوعة تخص بكل فعل علاجي وشرح الصدر أمر معنوي لا معالجة فيه فتأمل . ( 15 )

                ويفيد الأمور اتساعا وانفتاحا : الإفادة بذل الفائدة وتقدم معناها والأمور جمع أمر بمعنى الحادثة قال الرضي في شرح الشافية يطلق الأمر على الشيء فيشتمل الأعيان والمعاني .

                والاتساع مطاوع وسعه فاتسع من وسعه توسيعا ضد ضيقه والانفتاح مطاوع فتحه فانفتح ضد غلق . ( 16 )

                هذا لأن ما بالخاص والعام من الاستقرار على سنن النظام والاستمرار على [ ص: 22 ] وتيرة الاجتماع والالتئام : كلمة هذا مستعملة هنا للربط أي لربط ما بعدها بما قبلها على حد قوله تعالى { هذا وإن للطاغين لشر مآب } والإشارة تعود إلى اتصاف الفقه بما ذكر والمقصود هنا ربط المعلول بعلته والعام التام من كل شيء واسم جمع للعامة ضد الخاصة وهو المراد هنا .

                والخاص والخاصة ضد العام والعامة والخويصة تصغير الخاصة ياؤها ساكنة لأن ياء التصغير لا يتحرك وقوله من الاستقرار بيان لما في محل النصب على الحال من أقره في مكانه فاستقر أي ثبت .

                وقوله على سنن انتظام ظرف لغو متعلق بالاستقرار .

                والسنن مثلثة وبضمتين الطريق الواضحة والنظام بالكسر كل خيط ينظم به لؤلؤ ونحوه ومصدر لنظمت الشيء فانتظم أي أقمته فاستقام وهو على نظام واحد أي نهج غير مختلف .

                والاستمرار هو المضي على طريقة واحدة .

                الوتيرة الطريقة أو طريق تلازق الجبل والالتئام الموافقة من لائمه ملاءمة أي وافقه




                الخدمات العلمية