الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                19 - فإذا وقف مثلا على زيد ثم على عمرو ثم على أولاده فعمرو موقوف عليه في حياة زيد لأنه معين قصده الواقف بخصوصه وسماه وعينه ، وليس من أهل الوقف حتى يوجد شرط استحقاقه ، وهو موت زيد وأولاده إذا آل إليهم الاستحقاق ، كل واحد منهم من أهل الوقف . ولا يقال في كل واحد إنه موقوف عليه بخصوصه لأنه لم يعينه الواقف ، وإنما الموقوف عليه جملة الأولاد كالفقراء . قال : فتبين بذلك أن ابن عبد القادر والد عبد الرحمن لم يكن من أهل الوقف أصلا ولا موقوفا عليه ، لأن الواقف لم ينص على اسمه . قال : وقد يقال : إن المتوفى في حياة أبيه يستحق أنه لو مات أبوه جرى عليه الوقف فينقل هذا الاستحقاق إلى أولاده . قال : وهذا قد كنت في وقت أبحته ثم رجعت عنه . فإن قلت : قد قال الواقف إن من مات عن أهل الوقف قبل استحقاقه لشيء فقد سماه من [ ص: 408 ] أهل الوقف ، مع عدم استحقاق فيدل على أنه أطلق أهل الوقف على من لم يصل إليه الوقف " فيدخل محمد والد عبد الرحمن وملكة في ذلك فيستحقان . 20 -

                ونحن إنما نرجع في الأوقاف إلى ما دل عليه لفظ واقفيها سواء وافق ذلك عرف الفقهاء أم لا . قلت لا نسلم مخالفة ذلك لما قلناه ، أما أولا ، فلأنه لم يقل قبل استحقاقه وإنما قال قبل استحقاقه لشيء ، فيجوز أن يكون قد استحق شيئا صار به من أهل الوقف ويترتب استحقاقا آخر فيموت قبله ، فنص الواقف على أن ولده يقوم مقامه في ذلك الشيء الذي لم يصل [ ص: 409 ] إليه ، ولو سلمنا أنه قال قبل استحقاقه ، فيحتمل أن يقال : إن الموقوف عليه أو البطن الذي بعده ، وإن وصل إليه الاستحقاق ، أعني أنه صار من أهل الوقف ، قد يتأخر استحقاقه إما لأنه مشروط بمدة كقوله : في سنة كذا فيموت في أثنائها أو ما أشبه ذلك . فيصح أن يقال : إن هذا من أهل الوقف ، وإلى الآن ما استحق من الغلة شيئا إما لعدمها أو لعدم شرط الاستحقاق بمضي الزمان أو غيره . هذا حكم الوقف بعد موت عبد القادر ، فلما توفي عمرو عن غير نسل 21 -

                انتقل نصيبه إلى إخوته عملا بشرط الواقف لمن في درجته ، فيصير نصيب عبد القادر كله بينهما أثلاثا ; لعلي الثلثان وللطيفة الثلث ، ويستمر حرمان عبد الرحمن وملكة ، فلما ماتت لطيفة انتقل نصيبها ، وهو الثلث ، إلى ابنتها فاطمة ولم ينتقل إلى عبد الرحمن وملكة شيء لوجود أولاد عبد القادر وهم يحجبونهما ; لأنهم أولاده ، وقد قدمهم على أولاد الأولاد الذين هما منهم . ولما توفي علي بن عبد القادر وخلف بنته زينب ، احتمل أن يقال : نصيبه كله وهو ثلثا نصيب عبد القادر لها ، عملا بقول الواقف : من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه لولده . وتبقى هي وبنت عمتها مستوعبتين نصيب جدهما ; لزينب ثلثاه ، ولفاطمة ثلثه . واحتمل أن يقال : إن نصيب [ ص: 410 ] عبد القادر كله يقسم على أولاده الآن عملا بقول الواقف ، ثم على أولاده ثم على أولاد أولاده ، فقد أثبت الجميع أولاد الأولاد استحقاقا بعد الأولاد ، وإنما حجبنا عبد الرحمن وملكة ، وهما من أولاد الأولاد بالأولاد ، فإذا انقرض الأولاد زال الحجب فيستحقان ويقسم نصيب عبد القادر بين جميع أولاد أولاده ، فلا يحصل لزينب جميع نصيب أبيها ، وينقص ما كان بيد فاطمة بنت لطيفة . وهذا أمر اقتضاه النزول الحادث بانقراض طبقة الأولاد المستفاد من شرط الواقف ; إن أولاد الأولاد بعدهم فلا شك أن فيه مخالفة لظاهر قوله : أن من مات فنصيبه لولده ، فإن ظاهره يقتضي أن نصيب علي لبنته زينب ، واستمرار نصيب لطيفة لبنتها فاطمة ، فخالفتاه بهذا العمل فيهما جميعا ، ولو لم نخالف ذلك لزمنا مخالفة قول الواقف : أن بعد الأولاد يكون لأولاد الأولاد ، فظاهره يشمل الجميع . فهذان الظاهران تعارضا ، وهو تعارض قوي صعب ليس في هذا الوقف محل أصعب منه ، وليس الترجيح فيه بالهين بل هو محل نظر الفقيه . 22 -

                وخطر لي فيه أطرق : منها أن الشرط المقتضي لاستحقاق أولاد الأولاد جميعهم متقدم في كلام الواقف ، والشرط المقتضي لإخراجهم بقوله : من مات انتقل نصيبه لولده متأخر ، [ ص: 411 ] فالعمل بالمتقدم أولى ; لأن هذا ليس من باب النسخ حتى يقال : العمل بالمتأخر أولى ، ومنها أن ترتيب الطبقات أصل ، وذكر انتقال نصيب الوالد إلى ولده فرع وتفصيل لذلك الأصل ، فكان التمسك بالأصل أولى . ومنها : 23 -

                أن من صيغته عامة بقوله : من مات وله ولد . صالح لكل فرد منهم ولمجموعهم ، وإذا أريد مجموعهم كان انتقال نصيب مجموعهم إلى مجموع الأولاد عن مقتضيات هذا الشرط ، فكان إعمالا له من وجه مع إعمال الأول ، وإن لم يعمل بذلك كان إلغاء للأول عن كل وجه ، وهو مرجوح . ومنها إذا تعارض الأمر بين إعطاء بعض الذرية وحرمانهم تعارضا لا ترجيح فيه فالإعطاء أولى . لأنه لا شك أنه أقرب إلى غرض الواقفين . ومنها أن استحقاق زينب لأقل الأمرين ، وهو الذي يخصها ، إذا شرك بينها وبين بقية أولاد الأولاد محقق ، وكذا فاطمة . 24 -

                والزائد على المحقق في حقها مشكوك فيه ومشكوك في استحقاق عبد الرحمن وملكة له ، فإذا لم يحصل ترجيح في التعارض بين اللفظين يقسم بينهم ، فيقسم بين عبد الرحمن وملكة وزينب وفاطمة . وهل يقسم للرجل ; مثل حظ [ ص: 412 ] الأنثيين ، فيكون لعبد الرحمن خمساه ولكل واحدة من الإناث خمسه ، نظرا إليهم دون أصولهم ، أو ينظر إلى أصولهم فينزلون منزلتهم لو كانوا موجودين فيكون لفاطمة خمسه ، ولزينب خمساه ، ولعبد الرحمن وملكة خمساه ، فيه احتمال ، وأنا إلى الثاني أميل ، حتى لا يفضل فخذ على فخذ في المقدار بعد ثبوت الاستحقاق ، فلما توفيت فاطمة عن غير نسل والباقون من أهل الوقف ، زينب بنت خالها وعبد الرحمن وملكة ولدا عمها ، وكلهم في درجتها ، وجب قسم نصيبها بينهم ; لعبد الرحمن نصفه ، ولملكة ربعه ، ولزينب ربعه . ولا نقول : هنا ينظر إلى أصولهم لأن الانتقال من مساويهم ومن هو في درجتهم فكان اعتبارهم بأنفسهم أولى ، فأجمع لعبد الرحمن وملكة الخمسان حصلا لهما بموت علي ونصف وربع الخمس الذي لفاطمة بينهما بالفريضة ، فلعبد الرحمن خمس ، ونصف خمس ، وثلث خمس ، ولملكة ثلثا خمس ، وربع خمس ، واجتمع لزينب الخمسان بموت والدها ، وربع خمس فاطمة ، 25 -

                فاحتجنا إلى عدد يكون له خمس ولخمسه ثلث وربع وهو ستون ، فقسمنا نصيب عبد القادر عليه لزينب خمساه ، وربع خمسه ، وهو سبعة وعشرون ، ولعبد الرحمن اثنان وعشرون [ ص: 413 ] وهو خمس ونصف خمس وثلث خمس . ولملكة أحد عشر وهي ثلثا خمس وربع خمس . فهذا ما ظهر لي ولا أشتهي لأحد من الفقهاء يقلدني بل ينظر لنفسه . انتهى . كلام السبكي رحمه الله تعالى بحمد الله . 26 -

                قلت قائله الأسيوطي الذي يظهر اختياره أولا ; دخول عبد الرحمن وملكة بعد موت عبد القادر عملا بقوله : ومن مات من أهل الوقف إلى آخره . وما ذكره السبكي من أنه لا يطلق عليه أنه من أهل الوقف ممنوع . وما ذكره في تأويل قوله قبل استحقاقه خلاف الظاهر من اللفظ وخلاف المتبادر إلى الأفهام بل صريح كلام الواقف أنه أراد بأهل الوقف الذي مات قبل استحقاقه ، الذي لم يدخل في الاستحقاق بالكلية ولكنه بصدد أن يصير إليه . وقوله لشيء من منافع الوقف دليل قوي لذلك ، 27 -

                فإنه نكرة في سياق الشرط وفي سياق كلام معناه النفي فيعم ، لأن المعنى : ولم يستحق شيئا من منافع الوقف . وهذا صريح في رد التأويل الذي قاله ، ويؤيده أيضا قوله : استحق ما كان يستحقه المتوفى لو بقي حيا إلى أن يصير له شيء من منافع [ ص: 414 ] الوقف . فهذه الألفاظ كلها صريحة في أنه مات قبل الاستحقاق ، وأيضا لو كان المراد ما قاله السبكي ، لاستغنى عنه بقوله أولا على أن من مات عن ولد عاد ما كان جاريا عليه على ولده فإنه يغني عنه . ولا ينافي هذا اشتراطه الترتيب في الطبقات بثم ; لأن ذلك عام خصصه هذا كما خصصه أيضا قوله على أن من مات عن ولد إلى آخره ; وأيضا فإنا إذا عملنا بعموم اشتراط الترتيب لزم منه إلغاء هذا الكلام بالكلية وأن لا يعمل في صورة ; لأنه على هذا التقدير إنما يستحق عبد الرحمن وملكة لما استويا في الدرجة أخذا من قوله عاد على من في درجته ، فبقي قوله : ومن مات قبل استحقاقه إلى آخره مهملا لا يظهر له أثر في صورة ، بخلاف ما إذا أعملناه وخصصنا به عموم الترتيب ، فإن فيه إعمالا للكلامين وجمعا بينهما ، وهذا أمر ينبغي أن يقطع به حينئذ .

                فنقول : لما مات عبد القادر قسم نصيبه بين أولاده الثلاثة وولدي ولده أسباعا ; ولعبد الرحمن وملكة السبعان أثلاثا ، فلما مات عمرو عن غير نسل انتقل نصيبه إلى أخويه وولدي أخيه ليصير نصيب عبد القادر كله بينهم ، لعلي خمسان ، وللطيفة خمس ، ولعبد الرحمن وملكة خمسان ، أثلاثا . ولما توفيت لطيفة انتقل نصيبها بكماله لبنتها فاطمة . ولما مات علي انتقل نصيبه بكماله لبنته زينب . ولما توفيت فاطمة بنت لطيفة والباقون في درجتها : زينب وعبد الرحمن وملكة ، قسم [ ص: 415 ] نصيبها بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين اعتبارا بهم لا بأصولهم كما ذكره السبكي ، لعبد الرحمن نصفه ، ولكل بنت ربع . فاجتمع لعبد الرحمن بموت عمرو خمس وثلث ، وبموت فاطمة نصف خمس ، ولملكة بموت عمرو ثلثا خمس ، وبموت فاطمة ربع خمس ، فيقسم نصيب عبد القادر ستين جزءا لزينب سبعة وعشرون وهي خمسان وربع خمس ، ولعبد الرحمن اثنان وعشرون وهي خمس ونصف خمس وثلث خمس ، ولملكة أحد عشر وهي ثلثا خمس وربع ، فصح ما قاله السبكي . لكن الفرق بعدم استحقاق عبد الرحمن وملكة والجزم حينئذ بصحة هذه القسمة .

                والسبكي تردد فيها وجعلها من باب قسمة المشكوك في استحقاقه ونحن لا نتردد في ذلك .

                [ ص: 407 ]

                التالي السابق


                [ ص: 407 ] قوله : فإذا وقف مثلا على زيد ثم على عمرو إلخ . لا يخفى أن زيدا أيضا موقوف عليه لأنه معين قصده الواقف بخصوصه وسماه وعينه كعمرو فقدم عليه فهو موقوف عليه ، كما هو أنه من أهل الوقف فبين اللفظين عموم وخصوص مطلق والموقوف عليه أعم مطلقا ، وهذا ظاهر جدا بعد تسليم أن عمر ليس من أهل الوقف بل موقوف عليه فقط . [ ص: 408 ]

                ( 20 ) قوله : ونحن إنما نرجع في الأوقاف إلى ما دل عليه لفظ واقفيها إلخ . قال في التيسير : الوقوف على غوامض الوقوف خالفه منع السبكي وتبعه جمع ، منهم الزركشي العمل بالمفاهيم في كلام الواقفين لغلبة الذهول عليهم ، وإنما كانت حجة في كلامه تعالى ورسوله المبلغ عنه ، لأنه تعالى لا يغيب عنه شيء ، وهذا بخلاف العموم فإنه حجة في الأوقاف بلا خوف . ذكره البلقيني في السلالات ( انتهى ) . والدليل عليه ما ذكره الخصاف في باب : الرجل يجعل أرضه وقفا على رجل بعينه وعلى ولده وولده ولده ثم على المساكين ثم قال : ألا ترى أن رجلا لو قال : أرضي هذه صدقة موقوفة لله عز وجل أبدا على فلان ابن فلان وفلان ابن فلان ثم من بعدهما على المساكين ، فمن مات منهما ولم يترك ولدا كان نصيبه من ذلك للباقي منهما ، فمات أحدهما وترك ولدا ، قال : يرجع نصيبه للمساكين ولا يكون ذلك للباقي منهما من قبل أن الواقف إنما اشترط أن يرجع نصيب الذي يموت منهما إلى الباقي إذا لم يترك الميت وارثا فهذا قد ترك وارثا وهو ولده . قلت : فلم لا يجعل نصيب الميت منهما لولده قال من قبل : إن الواقف لم يجعل ذلك لولد الميت ، وإنما قال : فمن مات ولم يترك وارثا كان ذلك للباقي منهما فلهذه العلة لم يكن للباقي ولا لولده من ذلك شيء . [ ص: 409 ]

                ( 21 ) قوله : انتقل نصيبه إلى إخوته إلخ . كذا في النسخ بالتاء والصواب أخويه بتغليب الأخ على الأخت . [ ص: 410 ]

                ( 22 ) قوله : وخطر لي فيه أطرق إلخ . جمع طريق ويجمع على طرق كما في القاموس ، والذي في الأصل طرق بلا همزة . [ ص: 411 ]

                ( 23 ) قوله : أن من صيغته عامة إلخ . كذا في النسخ والصواب إسقاط من يمكن أن يقال : إن صيغته بدل من من والباء في قوله : ( بقوله ) بمعنى في .

                ( 24 ) قوله : والزائد على المحقق في حقها مشكوك إلخ . فيه ووقوع الشك فيه باعتبار تعارض شرطي الوقف المذكورين . [ ص: 412 ]

                ( 25 ) قوله : فاحتجنا إلى عدد يكون له خمس إلى آخره . لأنا نضرب مخرج الخمس وهو خمسة في مخرج الثلث وهو ثلاثة يحصل خمسة عشر تضرب في مخرج الربع وهو أربعة يحصل ستون ، فخمسها اثنا عشر وثلثه أربعة وربعه ثلاثة . [ ص: 413 ]

                ( 26 ) قوله : قلت قائله الأسيوطي الذي يظهر اختياره إلخ . لا المصنف رحمه الله تعالى قائله السيوطي .

                ( 27 ) قوله : فإنه نكرة في سياق الشرط إلخ . والشرط في معنى النفي كما ذكره الرضي وحينئذ فقوله في سياق كلام معناه النفي في موقع التفسير .




                الخدمات العلمية