الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                12 - صوم يوم الشك مكروه [ ص: 69 ] إلا إذا نوى تطوعا 14 - أو واجبا آخر على الصحيح ، [ ص: 70 ] والأفضل فطره إلا إذا وافق صوما كان يصومه 16 - أو كان مفتيا

                التالي السابق


                ( 12 ) قوله : صوم يوم الشك مكروه إلخ . الشك استواء طرفي الإدراك من النفي والإثبات ، وموجبه هنا أحد أمرين : إما أن يغم عليهم هلال رمضان أو هلال شعبان وأكملت عدته ولم ير هلال رمضان لأن الشهر ليس الظاهر فيه أن يكون ثلاثين بل قد يكون تسعة وعشرين كما يكون ثلاثين ; تستوي هاتان الحالتان بالنسبة إليه كما يقتضيه الحديث المعروف في الشهر فاستوى الحال حينئذ في الثلاثين أنه من المنسلخ أو من المستهل إذا كان غيم فيكون مشكوكا بخلاف ما إذا لم يكن لأنه لو كان المستهل لرئي عند الترائي ، فلما لم ير كان الظاهر أن المنسلخ ثلاثون فيكون هذا اليوم منه غير مشكوك في ذلك . كذا ذكروا . ولكن في البدائع أن كونه ثلاثين هو الأصل [ ص: 69 ] والنقصان عارض ولهذا وجب على المريض الذي أفطر رمضان قضاء ثلاثين يوما إذا لم يعلم صوم أهل بلده فلو كان على السواء لم يلزم الزائد بالشك لأن ظهور كونه كاملا إنما هو عند الصحو أما عند الغيم فلا . قال المصنف رحمه الله في البحر : إلا أن يقال الأصل الصحو والغيم عارض ولا عبرة به قبل تحققه . وهم إنما ذكروا التساوي عند تحقق الغيم ( انتهى ) .

                أقول دعوى أن الأصل الصحو مطلقا ممنوعة بل ينبغي أن يقال إن كان الزمان صيفا أو ربيعا فالأصل الصحو والغيم عارض ، وإن كان شتاء أو خريفا فالأصل الغيم والصحو عارض ، خصوصا في البلاد الرومية وما لحق به فليتأمل . وقوله : مكروه ، يعني تحريما إن جزم بكونه من رمضان للتشبيه بأهل الكتاب لأنهم زادوا في صومهم ، وعليه حمل حديث النهي عن التقدم بصوم يوم أو يومين ، وإن جزم بكونه عن واجب فهو مكروه كراهة تنزيه التي مرجعها خلاف الأولى ، لأن النهي عن التقدم خاص بصوم رمضان لكن كره لصورة النهي المحمول على رمضان ، فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما عرف أنه كان مقيما وإلا أجزأه عن الذي نواه كما لو ظهر أنه من شعبان على الأصح . ( 13 ) قوله : إلا إذا نوى تطوعا إلخ . يعني فلا يكون مكروها اتفاقا إنما الخلاف في استحبابه إن لم يوافق صومه . والأفضل أن يتلوم ولا يأكل ولا ينوي الصوم ما لم يتقارب انتصاف النهار ، فإن تقارب ولم يتبين الحال اختلفوا فيه ، فقيل : الأفضل صومه وقيل : فطره . وعامة المشايخ على أنه ينبغي للقضاة والمفتين أن يصوموا تطوعا ويفتوا بذلك خاصتهم ويفتوا العامة بالإفطار ، وكان محمد بن سلمة وأبو النصر يقولان : الفطر أحوط لأنهم أجمعوا على أنه لا إثم عليه ، لو أفطر واختلفوا في الصوم قال بعضهم : يكره ويأثم كذا في الفتاوى الظهيرية .

                ( 14 ) قوله : أو واجبا آخر على الصحيح . يعني فلا يكون مكروها قال في التتارخانية نقلا عن التهذيب : إن صوم الشك عن واجب آخر غيره مكروه على الصحيح وما هنا مخالف لما ذكره المصنف رحمه الله في بحره ، من أنه مكروه تنزيها ، ويمكن أن يوفق بأن المنفي هنا كراهة التحريم وحينئذ لا مخالفة . [ ص: 70 ] قوله : والأفضل فطره . إلا إذا وافق صوما كان يصومه إلخ . فيكون الصوم مستحبا ويجزيه إن كان من رمضان وإلا فهو تطوع غير مضمون بالإفساد لأنه في معنى المظنون ، وتفسير الموافقة أنه كان يعتاد صيام يوم الجمعة أو الخميس أو الاثنين فوافقه صوم يوم الشك . وكذا إذا صام شعبان كله أو نصفه الأخير أو عشرة من آخره أو ثلاثة من آخره ، وهذا لقوله عليه الصلاة والسلام : { لا تتقدموا صوم رمضان بيوم ولا بيومين إلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك الصوم } . ( 16 ) قوله : أو كان مفتيا إلخ . المراد أنه يصوم من يتمكن من ضبط نفسه عن الاضطجاع في النية وملاحظة كونه عن الفرض إن كان غدا من رمضان ، ولهذا قالوا ويفتون بالصوم خاصتهم ، وأما إذا ردد فإن كان في أصلها كأن ينوي أن يصوم غدا عن رمضان إن كان من رمضان وإلا فليس بصائم . وهذه غير صحيحة . وفي الفتاوى الظهيرية وعن محمد : ينبغي أن يعزم ليلة يوم الشك على أنه إن كان من رمضان فليس بصائم وهذا مذهب أصحابنا ( انتهى ) .

                وإن ردد في صفتها فله صورتان : إحداهما ما إذا نوى أن يصوم عن رمضان إن كان غدا منه وإلا فعن واجب آخر وهو مكروه لتردده بين مكروهين ، فإن ظهر من رمضان أجزأه عنه وإلا كان تطوعا غير مضمون بالإفساد ولا يكون عن الواجب لعدم الجزم به والثانية إذا نوى أن يصوم عن رمضان إن كان منه وإلا فتطوع فهو مكروه لنية الفرض من وجه ، فإن ظهر أنه منه أجزأه وإلا فتطوع غير مضمون بالإفساد لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه




                الخدمات العلمية