الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 174 ] صفة المالكية تزول بزوال ملكه وكونه مشتركا لا . [ ص: 175 ] الأول اسم لفرد سابق ، [ ص: 176 - 177 ] والأوسط فرد بين عددين متساويين والآخر فرد لاحق

                التالي السابق


                ( 65 ) قوله : صفة المالكية تزول بزوال ملكه وكونه مشتركا لا . كذا في النسخ والصواب : وكونه مشتريا كما في تلخيص الجامع .

                أصل هذا أن صفة كون الإنسان مالكا لا تبقى بعد زوال ملكه في العرف وأن صفة كونه مشتريا تبقى بعد زوال المشترى إذ ليس من شرط الشراء الملك ، كالوكيل ، ولهذا لو حلف لا يشتري عبدا فاشتراه لغيره حنث والفرق أن المشتري إنما استفاد صفة كونه مشتريا بفعله ، إذ الشراء يستدعي الفعل ولا يمكن ارتفاع فعله بعد زوال المشترى . أما المالك فإنه لا يستدعي الفعل ; لأنه قد يملك قهرا بالميراث فعلم أنه استفاد صفة كونه مالكا لحصول الملك لا بفعله فإذا زال الملك زال ما به تثبت الصفة .

                وفائدة التقييد بالعرف أن الفرع الذي يتفرع على هذا الأصل فيه قياس واستحسان ، فمقتضى القياس التسوية بين الشراء والملك ، ومقتضى الاستحسان التفرقة ، ومستنده العرف وهو رجل قال : إن ملكت عبدا فهو حر وإن ملكت مائتي درهم هي صدقة . فشرط نزول العتق ووجوب الصدقة حصول العبد كاملا في ملكه ووصول الدراهم كاملة في ملكه فيحنث . فلو ملك نصف عبد ثم باعه ثم ملك النصف الآخر لا يعتق هذا النصف وكذا لو ملك مائة درهم فأنفقها ثم ملك مائة أخرى لا يلزمه التصدق بهذه المائة استحسانا ، والقياس أن يحنث فيعتق النصف الذي اشتراه ثانيا ويتصدق بالمائة التي ملكها ثانيا ; لأن شرط الحنث ملك العبد والمائتين مطلقا عن قيد الكمال أي الاجتماع ، فإذا ملك عبدا أو مائتين ، ولو بصفة الافتراق ، فقد حصل شرط الحنث كما في المعين والمشترى .

                وجه الاستحسان أن المطلق يتقيد عند وجود دليل التقييد والدليل تارة يكون لفظيا وتارة عرفيا ، والمقيد [ ص: 175 ] هنا عرفي وهو أن المراد في العرف بالملك ثبوت الغنى ; ولهذا يقول الناس في تخاطبهم : فلان يملك كذا وكذا ، ومرادهم إثبات غناه ولا يثبت ذلك بملك متفرق . ومنه يقول الرجل لنفي الغنى : ما ملكت في عمري مائتي درهم يريد ما اجتمعت في ملكي ; لأنه ربما ملك متفرقا أضعاف ذلك ولا عرف في المعين والمشترى كما لو أشار إلى عبد معين أو إلى دراهم معينة فقال : إن ملكت هذا العبد فهو حر ، وإن ملكت هذه الدراهم فهي صدقة ، فملكها متفرقا على الوجه المتقدم فإنه يحنث .

                والفرق من وجهين : أحدهما ما تقدم أن المعين لا عرف فيه فإن الإنسان إذا ملك عبدا أو مائتي درهم على صفة التفرق لا يستحسن قوله في العرف ما ملكت هذا العبد أو هاتين المائتين ، فإذا انتفى في المعين التقييد العرفي بقي اللفظ على إطلاقه فلا يفترق الحال في الحنث بين الاجتماع والافتراق ، والثاني أن المعين حاضر والاجتماع وصف والوصف في الحاضر لغو بخلاف المنكر ، فإن الوصف فيه معتبر ، ولو قال : إن اشتريت عبدا أو اشتريت هذا العبد فهو حر فاشترى نصفه وباعه ثم اشترى النصف الآخر عتق ; لأن المطلق في الملك إنما تقيد بصفة الاجتماع . لكان العرف ، وليس في الشراء عرف مقيد بل العرف فيه على وفاق الإطلاق ، فإن الرجل يستجيز أن يقول اشتريت مائة جارية وإن كان اشتراؤهن متفرقا وكذا لو قال إذا اشتريت بمائتي درهم فعبده حر فاشترى بدرهم ثم بدرهم حتى اشترى بمائتي درهم عتق العبد ; لأنه يقال في العرف اشترى بمائتي درهم وإن كان متفرقا فوجب حينئذ إجراء اللفظ على إطلاقه فصار المعين وغيره والمجتمع والمتفرق في الحنث سواء ، فلما عنى بالملك الشراء أو بالعكس صدق ; لأن الشراء علة الملك . ولا خفاء في الاتصال بين العلة والحكم لافتقار كل منهما إلى الآخر أما افتقاد العلة فلأن العلل لم تشرع لذواتها بل لأحكامها ، وأما افتقار الحكم فلأنه لا يثبت إلا بعلة فلذلك جاز استعارة أحدهما للآخر بخلاف السبب المحض مع الحكم على ما عرف في الأصول ، لكنه إذا ادعى بالملك الشراء يصدق ديانة وقضاء ; لأنه شدد على نفسه . وفي عكسه يصدق ديانة لا قضاء لما فيه من التخفيف .

                ( 66 ) قوله : الأول اسم لفرد سابق أي لم يسبقه غيره أما كونه فردا فلا إشكال فيه لغة .

                ولهذا يثنى ويجمع وأما كونه سابقا غيره فلأنه بالسبق استحق هذا [ ص: 176 ] الاسم ثم هذا الفرد إذا وصف بصفة لم تفد غيرها إفادة الفرد الموصوف لا تعتبر تلك الصفة ولا يتغير به صدر الكلام ، وإن أفادت غير ما أفاده الفرد الموصوف اعتبرت وتغير بها صدر الكلام ، كما إذا قال : رأيت أسدا يزأر ويفترس ، لا يتغير به صدر الكلام ولو قال يرمي يتغير به صدر الكلام ، إذا تقرر هذا فمن فروع هذا الأصل لو قال : أول عبد أملكه فهو حر ، فملك عبدا ونصف عبد جملة عتق العبد .

                ولو قال : أول كر أملكه فهو صدقة فملك كرا ونصف كر جملة لا يلزمه التصدق بشيء والفرق أن نصف العبد الزائد لا يخرج العبد عن الفردية والأولية ، فلم يكن من إجماله فتحقق شرط الحنث وذلك لأن النصف لا يقبل الانضمام إلى العبد باعتبار أن العبد مما لا يتبعض ، فإنك إذا أخذت هذا النصف فضممته إلى أي نصف شئت من نصفي العبد لا يسمى به عبدا كاملا فصار انضمام النصف إليه كانضمام ثوب أو دابة . أما النصف الزائد على الكر فإن مزاحم يخرجه عن الأولية والفردية وذلك ; لأن الكر اسم لأربعين قفيزا فيصير كأنه قال أول أربعين قفيزا أملكها فهو صدقة ، فملك ستين قفيزا جملة لا يلزمه التصدق لعدم الشرط . وزانه أول أربعين عبدا أملكهم فهم أحرار ، فملك ستين جملة لا يعتق منهم أحد فعلم بذلك أن النصف في الكر يقبل الانضمام إليه لكونه يتبعض ، وتحقيقه أنك إذا أخذت أي نصف شئت من نصفي الكر وضممته إلى النصف الزائد يصير كرا كاملا فوضح الفرق وكل ما لا يتبعض فهو من قبيل العبد وكل ما يتبعض فهو من قبيل الكر .

                ولو ملك عبدين معا ثم عبدا ، والمسألة بحالها ، لا يعتق أحد منهم ; لأنه أضاف العتق إلى أول عبد وهو فرد سابق على ما مر بيانه ولم يوجد أما المملوكان معا فلعدم الفردية وأما الثالث فلعدم السبق ، ولهذا جاز تسميته آخر إذا لم يملك بعده عبدا .

                ولو قال : أول عبد أملكه واحدا أو المسألة بحالها لا يعتق الثالث ولو قال وحده يعتق والفرق أن واحدا يقتضي الانفراد في الذات ; لأنه عبارة عن ابتداء العدد فلم يفد غير ما أفاده قوله قبله أول ; لأنه أفاد شيئين الفردية والسبق ، فكان قوله واحدا مقررا لأحد موجبيه وهو التفرد ومكررا له فلم يفد غير التأكيد ولا تزيد دلالته على دلالة المؤكد فلا يتعلق به حكم فبقي قوله أول عبد ، ولا يعتق الثالث لعدم الأولية . أما قوله وحده فإنه يقتضي التفرد في الصفة إذ هو منتصب على الحال [ ص: 177 ] على المذهب المتصور وقد صار التملك الواقع على العبد الثالث هنا صفة له فيقتضي الانفراد في فعل التملك المقرون به فيصير كأنه قال : أول عبد يتصف بتملكي إياه منفردا فهو حر والثالث بهذه الصفة فيعتق فإن عنى بأحدهما الآخر صدق ، لما بينهما من المعنى الجامع وهو الوحدة لكنه لو عنى بقوله واحدا وحده صدق ديانة وقضاء لما فيه من التغليظ وفي عكسه يصدق ديانة لا قضاء لما فيه من التخفيف .

                ( 67 ) قوله : والأوسط فرد بين عددين متساويين إلخ هذا التعريف مأخوذ من التحرير شرح الجامع الكبير وفيه نظر ، فإن الثاني متوسط وطرفاه ليس بعددين والأولى أن يعرف بأنه اسم لفرد مسبوق بمثل ما تأخر عنه .

                إذا تقرر هذا فمن فروع هذا الأصل لو قال : كل مملوك أملكه فيما استقل فهو حر إلا أوسطهم ، وملك عبدا ثم عبدين أو عبدين ثم عبدين أو عبدا ثم عبدا عتقوا لتعذر الوصف ، أما الصورة الأولى فلأن الأول منهم لا يجوز أن يكون أوسط أصلا وأما الآخرين منهم فلما تقدم أن الأوسط اسم لفرد تقدم عليه مثل ما تأخر عنه ولم يوجد ذلك فيهما . وأما الثانية فلأن الفردية متقدمة فيهما . وأما الصورة الثالثة فلأن الأول منهم لا يصير أوسط وأما الثاني فلأن الموجود بعده وهما العبدان ليس يماثل لما قبله فانعدم حد الأوسط فيه . وأما العبدان فلما قلنا من انعدام الفردية غير أن الأول في هذه الصورة يعتق حين اشتراه ; لأن احتمال كونه يصير أوسط ساقط ، فإنه لا يعتق إلا حين شراء العبدين الأخيرين ; لأنه قبل شرائهما كان بفرضية أن يصير أوسط بتقدير أن يشتري بعده مثله فلما اشترى العبدين سقط ذلك الاحتمال حينئذ . وأما العبدان فإنهما يعتقان حين اشتراهما . قلنا من عدم الفردية وتمام تفاريع الأصل في الجامع الكبير وشروحه




                الخدمات العلمية