الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة الثانية : مات نصراني وله ابنان مسلم ونصراني ، فقال المسلم : أسلمت بعد موت أبينا ، فالميراث بيننا . وقال النصراني : قبله ، فلا ترثه ، فلهما ثلاثة أحوال ، إحداها : أن يقتصر على هذا القدر ولا يتعرضا لتاريخ موت الأب ، ولا لتاريخ إسلام المسلم .

                                                                                                                                                                        والثانية : أن يتفقا على وقت موت الأب كرمضان . وقال المسلم : أسلمت في شوال ، وقال النصراني : بل أسلمت في شعبان ، ففي الحالتين إن لم يكن بينة ، فالقول قول المسلم ؛ لأن الأصل بقاؤه على دينه ، يحلف ويشتركان في المال . وإن أقام أحدهما بينة قضي بها . وإن أقاما [ ص: 79 ] بينتين ، قدمت بينة النصراني ؛ لأنها ناقلة من النصرانية إلى الإسلام في شعبان ، والأخرى مستصحبة لدينه في شوال ، فمع الأولى زيادة علم .

                                                                                                                                                                        الحالة الثالثة : أن يتفقا على تاريخ إسلام المسلم ، فإن اتفقا على أنه أسلم في رمضان ، ولكن ادعى المسلم أن الأب مات في شعبان . وقال النصراني : مات في شوال ، صدق النصراني ؛ لأن الأصل بقاء الحياة . وإن أقاما بينتين ، قدمت بينة المسلم ؛ لأنها تنقل من الحياة إلى الموت في شعبان ، والأخرى تستصحب الحياة إلى شوال . وإن شهدت بينة النصراني في هذه الحالة الثالثة أنهم عاينوه حيا في شوال ، أو شهدت بينة المسلم في الحالتين الأوليين بأنهم كانوا يسمعون منه كلمة التنصر في نصف شوال مثلا تعارضتا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        مات مسلم وله ابنان أسلم أحدهما قبل موت الأب بالاتفاق ، وقال الآخر : أسلمت أيضا قبله . وقال المتفق على إسلامه : بل بعد موته ، فعلى الأحوال الثلاث ، فإن اقتصر على ذلك أو اتفقا على أن الأب مات في رمضان . وقال قديم الإسلام لحادث الإسلام : أسلمت في شوال . وقال الحادث : بل أسلمت في شعبان ، صدق قديم الإسلام . وإن أقاما بينتين ، قدمت بينة الحادث . وإن اتفقا أن الحادث أسلم في رمضان ، وقال قديم الإسلام : مات الأب في شعبان . وقال الحادث : بل في شوال ، فالمصدق الحادث ، والمقدم بينة قديم الإسلام ، وعلى هذا يقاس نظائر الصورة الأولى ، وصورة الفرع بأن مات الأب حرا ، وأحد ابنيه حرا بالاتفاق ، واختلفا هل عتق الآخر قبل موته أم بعده . ولو اتفقا في صورة الفرع أن أحدهما لم يزل مسلما . وقال الآخر : لم أزل مسلما أيضا ، ونازعه الأول ، فقال : كنت نصرانيا ، وإنما أسلمت بعد موت الأب ، فالقول قوله أنه لم يزل مسلما ؛ لأن ظاهر الدار يشهد [ ص: 80 ] له . ولو قال كل واحد منهما : لم أزل مسلما ، وكان صاحبي نصرانيا أسلم بعد موت الأب ، فوجهان خرجهما القفال . أحدهما : لا شيء لهما ؛ لأن الأصل عدم الاستحقاق ، وأصحهما : يحلفان ، ويجعل المال بينهما ؛ لأن ظاهر اليد يشهد لكل واحد فيما يقوله في حق نفسه .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        مات عن أبوين كافرين ، وابنين مسلمين ، فقال الأبوان : مات كافرا ، وقال الابنان : مات مسلما ، قال ابن سريج : فيه قولان ، أشبههما بقول العلماء : أن القول قول الأبوين ؛ لأن الولد محكوم بكفره في الابتداء تبعا لهما ، فيستصحب حتى يعلم خلافه . والثاني : يوقف المال حتى ينكشف الأمر أو يصطلحا ، والتبعية تزول بالبلوغ وحصول الاستقلال . وقيل : القول قول الابنين ؛ لأن ظاهر الدار الإسلام .

                                                                                                                                                                        قلت : الوقف أرجح دليلا ، ولكن الأصح عند الأصحاب أن القول قول الأبوين ، وأنكروا على صاحب " التنبيه " ترجيحه قول الابنين ، وهو ظاهر الفساد . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        له زوجة وابن ماتا ، فاختلف الزوج وأخو المرأة ، فقال الزوج : ماتت أولا ، فورثتها أنا وابني ، ثم مات الابن ، فورثته . وقال الأخ : مات الابن أولا ، فورثت منه أختي ، ثم ماتت ، فأرث منها ، فإن لم يكن بينة ، فالقول قول الأخ في مال أخته ، وقول الزوج في مال ابنه . فإن حلفا أو نكلا فهي من صور استبهام الموت ، فلا يورث ميت من ميت ، بل مال الابن لأبيه ، ومالها للزوج والأخ . وإن أقاما بينتين ، [ ص: 81 ] تعارضتا ، وجرت أقوال التعارض . هذا إذا لم يتفقا على وقت موت أحدهما ، فإن اتفقا على وقت موت أحدهما ، واختلفا في أن الآخر مات قبله أم بعده ، صدق من قال : بعده ؛ لأن الأصل دوام الحياة . وإن أقاما بينتين ، قدمت بينة من قال : قبله ؛ لأن معها زيادة علم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        مات عن زوجة وأولاد فقالوا لها : كنت أمة ، فعتقت بعد موته ، أو ذمية ، فأسلمت بعد موته ، فقالت : بل عتقت وأسلمت قبله ، فهم المصدقون . وإن قالت : لم أزل حرة مسلمة ، فهي المصدقة ؛ لأن الظاهر معها . وفي قول : تصدق في الحرية دون الإسلام . وخرج قول : أن الأولاد يصدقون لأن الأصل عدم وراثتها .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية